ثمّ قد أتى ميمون في حديثه بأمرين : إسلام أبي بكر زمن بحيرا ، واختلافه في زواج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله خديجة .
أمّا اختلافه بينه صلّى اللّه عليه وآله وبين خديجة فلم ينبّئ عنه قطّ خبير . وليس من الجائز أن يكون الوسيط في قران رجل عظيم كمحمّد وامرأة من بيت مجد وسؤدد ورئاسة كخديجة ، شابّ حدث ابن اثنتين وعشرين سنة ، وللزوج أعمام أشراف أعاظم كالعبّاس وحمزة وأبي طالب وهو بينهم وفي بيتهم ، وكان عمّه أبو طالب كما يأتي يحبّه حبّا شديدا لا يحبّ أولاده مثله ، وكان لا ينام إلّا إلى جنبه ، ويخرجه معه حين يخرج « 1 » ، وكان هو الّذي كلّم خديجة حتّى وكّلت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بتجارتها « 2 » .
والّذي جاء في السير والتاريخ في أمر هذا القران أنّ خديجة بعثت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ورغبت في زواجه لقرابته وأمانته وحسن خلقه وصدق حديثه ، وعرضت نفسها عليه صلّى اللّه عليه وآله . فذكر ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، لأعمامه فخرج معه عمّه حمزة - وفي لفظ ابن الأثير : خرج معه حمزة وأبو طالب وغيرهما من عمومته - حتّى دخل على خويلد بن أسد ، أو على عمرو بن أسد عمّ خديجة فخطبها إليه فتزوّجها عليه وآله الصلاة والسّلام وخطب أبو طالب عليه السّلام خطبة النكاح « 3 » .
فأين مزعمة ابن مهران من هذا التاريخ الصحيح المتواتر ؟ !
وأمّا إسلام أبي بكر قبل ولادة عليّ أمير المؤمنين زمن بحيرا الراهب فإنّه مأخوذ ممّا أخرجه ابن مندة « 4 » من طريق عبد الغني بن سعيد الثقفي عن ابن عبّاس .
هامش
( 1 ) - يأتي تفصيل ذلك في الكلام عن أبي طالب عليه السّلام ؛ انظر ص 128 من كتابنا هذا .
( 2 ) - كما في الإمتاع للمقريزي : 8 .
( 3 ) - راجع الطبقات الكبرى 1 : 113 [ 1 / 131 ] ؛ تاريخ الأمم والملوك 2 : 127 [ 2 / 281 ] ؛ الكامل في التاريخ لابن الأثير 2 : 15 [ 1 / 471 ] .
( 4 ) - أبو عبد اللّه محمّد بن إسحاق الأصبهاني الحافظ الرحّال ، المتوفّى 355 .