لمعنى الأبّ « 1 » الّذي عرفه كلّ عربيّ صميم حتّى أعراب البادية .
وإن تعجب فعجب إعتذار من جنح إليه « 2 » بأنّه كان يلتزم الحائطة في تفسير القرآن ؛ ولذلك تورّع عن الإفاضة في معنى الأبّ .
لكن عرف من عرف أنّ الحائطة إنّما تجب في بيان مغازي القرآن الكريم وتعيين إرادته ، وتبيين مجمله ، وتأويل متشابهه ، وما يجري مجرى ذلك ممّا يحظر في الدين التسرّع إليه من دون تثبّت وتوقيف .
وأمّا معاني ألفاظه العربيّة للعريق في لغة الضاد ، فأيّ حائطة تضرب على يده عن أن يفهمها وهو يعرفها بطبعه وجبلّته ؟ !
وهب أنّ الرجل لم يحط خبرا بلغة قومه فهلّا تروّى في الذكر الحكيم في ذيل الآية الكريمة من قوله سبحانه :
مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ
« 3 » بيانا للفاكهة والأبّ ؟ ! ليعلم أنّه سبحانه وتعالى امتنّ على الناس بالفاكهة ليأكلوها ، وبالأبّ لترعاه أنعامهم ؛ فتلك فاكهة ، وهذا العشب .
وأخرج أبو عبيدة عن إبراهيم التيمي قال : سئل أبو بكر عن قوله تعالى :
وَفاكِهَةً وَأَبًّا
فقال : أيّ سماء تظلّني ؟ وأيّ أرض تقلّني ؟ وأين أذهب ؟ وكيف أصنع ؟ إذا قلت في حرف من كتاب اللّه بغير ما أراد تبارك وتعالى « 4 » .
هامش
( 1 ) - في قوله تعالى في سورة عبس :فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا * وَحَدائِقَ غُلْباً * وَفاكِهَةً وَأَبًّا ؛عبس : 27 - 31 .
( 2 ) - نظراء القرطبي [ في الجامع لأحكام القرآن 1 / 27 ؛ و 19 / 145 ] ؛ والسيوطي [ في الدرّ المنثور 8 / 421 ] .
( 3 ) - النازعات : 33 .
( 4 ) - انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 1 : 29 [ 1 / 27 ؛ و 19 / 145 ] ؛ مقدّمة في أصول التفسير لابن تيميّة : 30 [ ص 47 ] ؛ الكشّاف 3 : 253 [ 4 / 704 ] ؛ الدرّ المنثور 6 : 317 [ 8 / 421 ] .