وبالجملة ، حذر الله - تعالى - الأمة من تنظيمات أهل الكتاب ، التي
لها أهداف قريبة وأهداف بعيدة ، والتي يحمل أعلامها الفرق المتعددة
والطوائف المختلفة ، قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من
الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين ) [ آل عمران : 100 ] ، قال
المفسرون : يحذر - تبارك وتعالى - عباده المؤمنين من أن يطيعوا فريقا من
أهل الكتاب ، الذين يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله ، كما قال
تعالى : ( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا
من عند أنفسهم ) [ البقرة : 109 ] ، وهكذا قال هاهنا : ( إن تطيعوا فريقا من
الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين ) [ آل عمران : 100 ] ، وفي آية
أخرى قال تعالى : ( ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم ) [ آل عمران : 69 ] .
وباختصار ، فالقاعدة العريضة منهم ودوا لو يردون الذين آمنوا من بعد
إيمانهم كفارا ، وهناك فرق حملت أعلام هذه القاعدة وانطلقت رجاء تنفيذ
هذا الهدف ، وهناك طائفة من أهل الكتاب مهمتها إطفاء الأنوار رغبة منها في
أن تضل قافلة الذين آمنوا عن الطريق ، والمعنى : أن الطائفة في خدمة
الفريق ، والفريق في خدمة القاعدة ، وليس معنى هذا أن قاعدة أهل الكتاب
خالية من العلماء الذين يبحثون عن الحقيقة ، فهؤلاء أثر أقدامهم على
الطريق ، والإسلام لم يغلق أبوابه أمام الذين يريدون الاستبصار منهم في
الدين ، وقد أمر الله - تعالى - بمجادلتهم بالتي هي أحسن ، فقال في آية
محكمة : ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا
منهم ) [ العنكبوت : 46 ] ، وقوله : ( إلا الذين ظلموا منهم ) يعني أهل الحرب ،
وذكر - تعالى - في كتابه أن الذين قالوا إنهم من أتباع عيسى عليه السلام وعلى
منهاج إنجيله ، فيهم مودة للإسلام وأهله ، وما ذاك إلا لما في قلوبهم من
الرقة والرحمة ، ويوجد فيهم قسيسون ، وهم خطباؤهم وعلماؤهم ، ورهبانا ،
من صفتهم بأن فيهم العلم والعبادة والتواضع والانقياد للحق واتباعه
والإنصاف ، وإذا سمعوا ما أنزل الرسول الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم ، ترى أعينهم تفيض
وجاء الحق — صفحة 27
مساهمون: سعيد أيوب
ص٢٧