تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون ، ها
أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله
يعلم وأنتم لا تعلمون ، ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا
مسلما وما كان من المشركين ، إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا
النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين ، ودت طائفة من أهل الكتاب لو
يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون ، يا أهل الكتاب لم تكفرون
بآيات الله وأنتم تشهدون ، يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون
الحق وأنتم تعلمون ) [ آل عمران : 65 - 71 ] .
لقد أنكر الله عليهم قولهم ذلك ، وأمرهم برد ما لا علم لهم به إلى عالم
الغيب والشهادة الذي يعلم الأمور على حقائقها ، وشهد - سبحانه - بأن
إبراهيم كان متحنفا عن الشرك ، قاصدا إلى الإيمان ، وما كان من المشركين ،
وأخبر - سبحانه - بأن أحق الناس بمتابعة إبراهيم ، الذين اتبعوه على دينه ،
وهذا النبي ، يعني محمدا صلى الله عليه وآله وسلم والذين آمنوا ، لأنهم على الإسلام الذي
اصطفى الله به إبراهيم ، وكذا كل من اتبعه دون أن يكفر بآيات الله ويلبس
الحق بالباطل ، ثم أخبر - تعالى - بأن طائفة من أهل الكتاب تود أن تضل
الذين آمنوا بإلقاء الشبهات بينهم ، وأنهم يضلون أنفسهم أولا ، لأن الإنسان لا
يفعل شيئا - من خير أو شر - إلا لنفسه ، كما قال تعالى : ( من عمل صالحا
فلنفسه ومن أساء فلها وما ربك بظلام للعبيد ) [ فصلت : 46 ] ، ثم قال
سبحانه : ( يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون ) [ آل عمران :
70 ] ، وأهل الكتاب لا ينكرون أن للعالم إلها ، وإنما ينكرون أمورا من
الحقائق بينتها لهم الكتب السماوية المنزلة عليهم وعلى غيرهم ، كنبوة
النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وكون عيسى عبد الله ورسوله ، وأن إبراهيم ليس بيهودي ولا
نصراني ، وأن يد الله مبسوطة ، وأن الله غني ، وأن الدجال فتنة فيه تصب
جميع الفتن ، إلى غير ذلك . وقوله تعالى : ( وأنتم تشهدون ) ، والشهادة هي
الحضور والعلم عن حس ، دلالة على أن المراد بكفرهم بآيات الله ، إنكارهم
وجاء الحق — صفحة 18
مساهمون: سعيد أيوب
ص١٨