تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة من حياة المستبصرين — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
ولمّا لم يذكر المؤرخون لذلك الاستثناء أصلا ، وظهر ما يدعو إلى القول بافتعال أبي بكر ومن كان معه الصلاة بالناس ، لبلوغ غاية ما ، فقد ظهرت بعض الروايات تنوء بتحريف عجيب ، وتحكي حالة فريدة من نوعها في صلاة الجماعة ، في محاولة للتعمية على حقيقة تنحية أبي بكر عن إمامة الصلاة ، فقالوا : صلّى أبو بكر مقتدياً بالنبيّ ، وصلى الناس مؤتمين بأبي بكر ( 1 ) ، فلم أتقبل رواية الصلاة بإمامين ، كما لم يقبل عقلي أن يقتدي الناس بأبي بكر ، ويتركون النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، في حين أنّ الحقيقة المطموسة تقول : لقد وقعت تنحية أبي بكر عن إمامة الصلاة بالناس ، في وقت ظنّ هو وجماعته أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، لم يعد باستطاعته أنْ يستفيق من إغمائه ، ولا أنْ يعي بما يدور حوله ، فيكون ذلك التقديم وتلك الإمامة ، مبرراً على طريق استلام الحكم ، وحجّة تمكنه من الادّعاء بأنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أمره بالصلاة بالناس . كما ظهر من خلال تتبّعي لسيرة النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في تعامله مع إمامة الصلاة ، أنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يكن يُعيّن أحداً يُصلّي بالناس في غيابه ، وقد كانت كلمته دائما : " مروا مَنْ يُصلّي بالناس " ( 2 ) وذلك بناء على قاعدة الأعلميّة والتفقّه ، وليس على القاعدة التي اعتمدها أهل الجاهليّة في تنصيب زعمائهم ، وهي اعتبار كبر السن والمكانة الاجتماعيّة والماليّة ، مع أنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في حياته الشريفة كان ملتفتاً إلى مسألة الإمارة في غيبته عن المدينة ، فأهميّتها كمنصب حسّاس وخطير ، كانت تحتّم عليه تنصيب من يخلفه عليها في غزواته وسفراته ، فعيّن فيمن عيّن عليّاً ، ولم يعيّن أحداً من الذين تولّوا الحكم قبله ، وذلك يدلّ على استحقاقه للإمارة قبل هؤلاء جميعاً .
هامش
1 - صحيح البخاري 1 : 162 ، سنن ابن ماجة 1 : 391 . 2 - اُنظر مسند أحمد 4 : 322 ، لكن كالعادة فإن الرواية طعمت بما يخالف ذلك فصورت استياء شديد من النبي ( صلى الله عليه وآله ) لعدم صلاة أبي بكر بالناس ! فلا ندري لماذا يعمم النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) القول فيمن يؤم الناس ، ثم يستاء ذلك الاستياء الشديد لعدم صلاة أبي بكر .