ولما وَصَلَتِ النوبة إلى عصر التدوين رأينا أئمة الحديث أمثال البخاري ومسلم والترمذي يطرحون أو يقطعون أكثر ما انفلت من أيدي هؤلاء من الأحاديث بسبب مخالفتها لشروطهم ; لأنهم اشترطوا لصحة الحديث - إضافة إلى الاتصال والوثاقة في الإسناد - أن لا يكون مضمون الحديث مخالفاً لمذهب أهل السنة والجماعة ، وأن لا تكون فيه علة خفية ، وكانت طريقة معرفة تلك العلة تشخيص هؤلاء المحدثين ; فإذا كان الحديث مخالفاً لمذهبهم يحكمون بشذوذه وضعفه ولو كان جميع رجال السند من الثقات .
وقد اعترف البخاري فيما حكي عنه قائلاً : لم أخرج في هذا الكتاب إلاّ صحيحاً ، وما تركت من الصحيح كان أكثر ( 1 ) .
فبدل أن يجعلوا السنة معيارا لصحة الرأي والمذهب تراهم يجعلون المذهب ميزاناً لصحة الحديث ، حتى وصل الأمر إلى توصيف من لم يذكر في تأليفه ما يخالف المذهب بالأضبطية والأدقية ، واتهام من أورد شيئاً مخالفاً لمذهبهم في كتبه بكونه من أهل الخلاف وتوصيفه بالسذاجة والجهالة .
كنت أتساءل في نفسي : إذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن لمن يريد الوقوف على الحقيقة أن يصل إلى هدفه ؟ وكيف يمكنه أن يميز الحق من الباطل إذا كان ميزان التمييز وطريقة التحقيق هو نفس المذهب ؟ ! " .
4 - ما جرى بعيد وفاة النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) :
يقول الشيخ محمد گوزل : " ومن أهم ما وقع في قلبي من الشبهات والأسئلة : لماذا ترك الخلفاء والصحابة جنازة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) بدون تشييع وتغسيل وتكفين وذهبوا إلى السقيفة فتنازعوا لأجل الإمارة والرئاسة ؟ ولم يبق على جنازة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) إلاّ عدّة نفر ، على رأسهم أمير المؤمنين عليّ ( عليه السلام ) ! !
هامش
1 - صحيح البخاري ( المقدمة ) : 8 - 9 .