وذكرنا أنّ هذا المقدار من التخويل في التشريع مع التطبيق لا بدّ منه في أيّ قانون ، حتّى في القوانين الوضعيّة ( 1 ) . . ولا بدّ من الأخذ بالاعتبار أنّ القانون - مهما بَلغ من التنزّل - يبقى له جهة كلّيّة ، وله جهة عامّة ، وليس مخصوصاً بجزئيّ حقيقيّ ومصداق متشخّص فيبقى كلّيّاً ويبقى تنظيريّاً . . وإذا بقي كذلك فمقام التطبيق الأخير لا بدّ حينئذ من أن يكون بيد المكلّف . . فجانب التطبيق ليس فيه نوع من التشريع المُنكَر أو القبيح في حكم العقل . . أو في حكم الوضع . . بل هو نوع من التطبيق الذي لا بدّ منه في كلّ القوانين . .
مراتب تنزّل القانون
وهنا لفتة لا بأس من الإشارة إليها . . وهي أنّ بعض القوانين ( سواء القانون الوضعيّ ، أو القانون السماويّ ) يتكفّل الشارع ( أو المقنّن ) بنفسه تنزيلها إلى
هامش
( 1 ) وهنا قد يتبادر تساؤل ، وهو : هل يمكن قياس التشريع الإلهيّ بالقانون الوضعيّ ؟
والجواب : أنّ لغة القانون والاعتبار لغة ينطوي في مبادئها التصوّريّة والتصديقيّة أنّها لغة موحّدة بين التقنين السماويّ والوضعىّ إلاّ ما دلّ الدليل على الخلاف ; ومن ثَمّ ترى علماء الأصول والفقهاء يبنون على وحدة معاني وماهيّات العناوين المستخدمة كآلة قانونيّة في العُرف العقلائيّ مع العرف الشرعيّ إلاّ ما استثناه الدليل ، وبعبارة أخرى : كما أنّ الشارع لم يستحدث لغة لسانيّة جديدة في صعيد حواره مع الأمة المخاطَبة ، فكذلك لم يستحدث لغة اعتبارية قانونيّة جديدة في صعيد التخاطب القانونيّ التشريعيّ ، وإن كانت تشريعات الشرع المبين مغايرة لتشريعات العرف البشرىّ ; فإن ذلك على صعيد المسائل التفصيليّة وتصديقاتها ، لا على صعيد مبادئ اللغة القانونيّة ، كمعنى الموضوع ومعنى الحكم من الوجوب والحرمة والملكيّة والصحّة والبطلان والحُجّيّة ونحوها .