تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية المسترشدين — صفحة 502

مساهمون:

ص٥٠٢
وذهب بعض أفاضل المتأخرين من علمائنا الأصوليين إلى التفصيل بين العلم الحاصل للعقل بطريق الضرورة والحاصل بطريق الاكتساب والنظر ، فحكم بصحة الاعتماد على الأول دون الأخير وكان الفرق بينه وبين كلام الجماعة أنه يقول بالاعتماد على العلم البالغ إلى حد الضرورة مطلقا ، سواء كان مما تسالم فيها العقول أو كان ضروريا عند المستدل ، وإن نازع غيره في كونه ضروريا أو في أصل ثبوته ، لتفاوت العقول في قبول العلوم والإدراكات ، وهم لا يقولون بالاعتماد على الضروريات إلا في ما اتفق العقول عليها حسب ما أشرنا إليه . وسيبين ذلك من ملاحظة أدلتهم الآتية بعون الله تعالى ، وقد ينقل هنا قول آخر أسنده بعضهم إلى بعض المتأخرين ، وهو التفصيل بين المعارف الدينية والأعمال البدنية ، فقال بحجيته في أصول الدين دون الفروع ، فهذه جملة الأقوال في المقام ، والكلام هنا إنما هو في الإيجاب الجزئي والسلب الكلي ، إذ لا يعقل ادعاء الموجبة الكلية في المقام . ولا يذهب عليك أنه بناء على مذهب الأشعري ليس للعقل إدراك شئ من الحسن والقبح الشرعيين ، لكون الحكم عنده توقيفيا متوقفا على توقيفه وبيانه كالأوضاع اللفظية ، فليس للعقل فيها مدخلية . نعم قد يحصل العلم بها من طريق العادة ويمكن إرجاعه إلى النقل إذ سبيل معرفة العادة النقل ( 1 ) . وقد يقال بحصول العلم بها على سبيل الإلهام ونحوه ، وهو على فرض تحققه لبعض الأشخاص نحو من التوقيف . ثالثها : أنه إذا قيل بإدراك العقل الحسن والقبح على نحو ما ثبت في الواقع فهل يثبت بذلك حكم الشرع به كذلك فيكون ما تعلق به واجبا أو محرما في الشريعة - مثلا - على نحو ما أدركه العقل ، أو لا يثبت الحكم الشرعي إلا بتوقيف الشارع وبيانه فلا وجوب ولا حرمة ولا غيرهما من الأحكام الشرعية ، إلا بعد وروده في الشريعة ، ولا يترتب ثواب ولا عقاب على فعل شئ ولا تركه إلا بعد بيانه ؟
هامش
( 1 ) في " ط 1 " : إذ به دل العقل النقل .
هداية المسترشدين — صفحة 502 | الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني