تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية المسترشدين — صفحة 487

مساهمون:

ص٤٨٧
وضعف الوجهين ظاهر ، أما الأول : فلظهور أنه مع عدم دلالة الأمر على التكرار لا يشمل الحكم المذكور ما بعد الفعل ، ويسقط بالإتيان به ، فلا أمر حتى يرتفع بالنهي المتأخر ، إذ لا يعقل ارتفاع غير الثابت . وأما الثاني : فالحال فيه أوضح ضرورة ارتفاع الحكم بمضي وقته ، فلا يكون النهي المتأخر ناسخا . نعم لو قيل ببقاء التكليف بعد فوات الوقت - على ما ذهب إليه شاذ - صح القول بارتفاعه ، إلا أنه حينئذ لا يخرج بالقيد المذكور . ثم إن أخذ الرفع جنسا في الحد المذكور مبني على كون النسخ رفعا للحكم كما هو المختار عند جماعة وحكي القول به عن القاضي أبي بكر ، والمختار عند بعضهم عدم كونه رفعا ، وإنما هو بيان لانتهاء هذا الحكم ، والحكم إنما ينتهي بنفسه ، وحكي القول به عن الأستاذ أبي إسحاق ، وأسنده في المستصفى إلى الفقهاء . فإطلاق الرفع عليه - حينئذ - على سبيل المجاز . ويدل على الأول : أن الظاهر من لفظ النسخ الإزالة فلا بد من حمله على ظاهره ، وكذا الظاهر من الحكم الأول الدوام والاستمرار ، فيكون الحكم بخلافه مزيلا له رافعا لمقتضاه ، إلا أن يقوم دليل على خلاف ذلك . ويمكن الإيراد في المقام : بأنه إن أريد كونه مزيلا له بحسب الواقع بأن يكون الحكم ثابتا في الواقع أولا على وجه الدوام ، ثم يرفعه طريان الناسخ فهو مما لا وجه له ، لأنه إما أن يكون حكم الشارع به على وجه الدوام على وفق المصلحة المقتضية لذلك فلا يمكن إذن رفع ذلك الحكم بخلافه ، وإن لم يقتض المصلحة ذلك على الوجه المذكور لم يمكن تشريعه على وجه الدوام بحسب الواقع وإن لم يكن مانع من إبرازه على صورة الدوام لبعض المصالح . نعم يمكن في حق غيره تعالى ممن يتصور في شأنه الجهل بالواقع أن يرى المصلحة في الحكم به في وجه الدوام ، ثم يتبين له بعد ذلك خلافه فيزيل ذلك الحكم ، وهو محال في شأنه تعالى .