تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية المسترشدين — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
رابعها : أن لا يكون الدلالة على الواقع ملحوظة فيها أصلا لا من حيث إفادة المظنة بالواقع ولا من حيث النظر إليه والدلالة عليه ، بل يكون المناط فيه هو بيان حكم المكلف في ما يرد عليه من التكليف ، ويراد منه في الحال التي هو عليها كما هو الحال في أصالة البراءة والاستصحاب ، فإن الثابت بهما هو الحكم الظاهري من غير دلالة على بيان الحكم الواقعي ، وإن اتفق حصول الظن منهما بالواقع في بعض الوقائع . وقد عرفت مما قررناه وجود القسم الأول والأخيرين من الأقسام المذكورة . وأما القسم الثاني فلا يكاد يتحقق حصوله في الأدلة الشرعية ، بل الظاهر عدمه وإن تسارع إلى كثير من الأوهام كون معظم أدلة الأحكام من ذلك القبيل ، إلا أن الذي يظهر بالتأمل خلافه ، لعدم إناطة الحجية بحصول الظن بالأحكام الواقعية في شئ من الأدلة الشرعية كما يتبين الحال فيه إن شاء الله . فإن قلت : إن المدار في حجية أخبار الآحاد على الظن دون التعبد من حيث الإسناد ومن جهة الدلالة كما سيجئ تفصيل القول فيه في محله ، ومع إناطة الحجية بالمظنة لا يعقل المنع من حصول الظن منها مع القول بحجيتها ، وأيضا الوجوه الواردة في التراجيح عند تعارض الأخبار إنما يناط الترجيح بها بالأخذ بالأقوى والرجوع إلى ما هو الأحرى فيكون الأمر دائرا مدار الظن دون غيره ، إذ لا يعقل الترجيح بين الشكوك لمساواتها في الدرجة . قلت : هنا أمران ينبغي الفرق بينهما في المقام ليتبين به حقيقة المرام : أحدهما : كون الخبر مفيدا للظن بما هو الواقع حتى يكون الأرجح في نظر المجتهد أن ما يفتي به هو المطابق لمتن الواقع . ثانيهما : كون الخبر محلا للوثوق والاعتماد من حيث الدلالة والإسناد ، ولو كان له معارض كان الظن الحاصل منه أقوى من الحاصل من الآخر . وتبين الفرق بين الأمرين بأن الظن الحاصل في الصورة الأولى يقابله الوهم ، لوضوح كون ما يقابل الظن بالواقع وهما .
هداية المسترشدين — صفحة 317 | الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني