تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية المسترشدين — صفحة 551

مساهمون:

ص٥٥١
بل لا يستفاد من قوله : " سرت من الكوفة إلى البصرة " اختصاص سيره في الواقع بما بينهما ، إنما يستفاد ذلك حيث تنحصر فائدة التقييد في مجرد الحصر ، وذلك حيث لا يكون لذكر المبدأ والمنتهى خصوصية مقصودة بالإفادة ، كقولك : " سرت في الأرض الفلانية من هنا إلى هنا " أما مع الخصوصية كقولك : " سرت من المدينة المشرفة إلى مكة المعظمة " فلا يكاد يظهر منه انتفاء السير فيما قبل المدينة وما بعد مكة المشرفة ، ولا بعقل هناك فرق فيما بين المقامين إلا انحصار الفائدة في الأول في إفادة المفهوم وعدمه في الثاني ، فيكون المدار في الدلالة على ذلك على نحو الحال في الأوصاف ومطلق القيود ، ولذا لا يظهر في المقامين المذكورين دلالة على المفهوم ، لظهور تعلق الغرض بإفادة حصول الإسراء إلى المسجد الأقصى ، وإمكان حصوله في ذكر الكوفة والبصرة ، فإذا انحصرت الفائدة - كما في غالب المقامات - دل على ذلك ، ومن ذلك نشأ الاشتباه ، حتى توهم استناده إلى الوضع ولزوم التجوز بدونه ، مع ما عرفت من بعضهم من أنه لم يقل به أحد . وفيه : أن التشكيك في وضع اللفظ للابتداء والانتهاء تشكيك في الأمور الظاهرة ، كيف وهو المفروض في محل المسألة ؟ فلا بد حينئذ من ملاحظة متعلقهما ، والشك في ذلك إنما ينشأ من الشك في متعلق الأمرين المذكورين ، فإن كان متعلقهما مطلق الفعل أو الحكم دل على انتفاء أحدهما فيما خرج عن الحدين ، لدلالته إذا على التحديد والحصر والاختصاص ، وإن كان متعلقهما أمرا مخصوصا أو موضوعا خاصا لم يكن فيه دلالة على ذلك . ومن المعلوم أن اختصاص البعض بالذكر لا يكون إلا لفائدة ، إذ بدونها يكون تخصيصا من غير مخصص ، فاختلاف المدلول بحسب اختصاص الفائدة وعدمه إنما يبتني على ذلك ، فلا بد من تشخيص المتعلق بحسب إطلاق اللفظ وقرائن المقام . ومن المعلوم أن اللفظ مع انتفاء القرينة إنما يدل على تعلق الأمرين المذكورين بتمام المعنى المفهوم من الكلام حتى يقوم شاهد على إرادة بعض الخصوصيات وتعلق الغرض بإفادتها وإظهارها ، سواء كان من القرائن الحالية