تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية المسترشدين — صفحة 540

مساهمون:

ص٥٤٠
العمل على المشهور ، وذلك أن المطلوب من الخطابين المفروضين إن كان فعلا واحدا كان الثاني ناسخا للأول ، إذ حمل الأول على بيان جزء المطلوب خلاف الظاهر ، فيدل على أنه تمام المطلوب ، فيكون الثاني منافيا له وإن كانا فعلين مستقلين بالمطلوبية خرج عن محل المسألة ، فإن أحدا لا يمنع من تعلق تكليف آخر فيما بعد الغاية بمثل الأول ، وكذا فيما قبل البداية ، وقولهم بالدلالة على مخالفة ما بعد الغاية لما قبلها في الحكم إنما يراد به بحسب الخطاب الأول . ومن البين أن انتفاء الحكم الأول لا يمنع من ثبوت حكم آخر فالحيثية معتبرة في ذلك . وفيه : أن الخصم أيضا لا يزعم شمول الحكم لما بعد الغاية بحسب الخطاب الأول ، كيف ! وهو ضروري الفساد ، فإن تعلق بالمركب كما في الصوم دل على كون المقيد بالغاية تمام المطلوب كما ذكر ، وليس من محل الكلام كما مرت الإشارة إليه في بيان محل المسألة ، لرجوعه إذا إلى المعارضة بين ظاهر الخطابين ، لا من جهة مفهوم الغاية ، بل لظهور كل منهما في استقلال متعلقه بالمطلوبية ، وإنما يظهر فائدة الخلاف في الأمور التي لا يكون للهيئة التركيبية فيها مدخلية ، كما في قوله سبحانه : * ( ولا تقربوهن حتى يطهرن ) * ( 1 ) فالقائل بالمفهوم يقول بحصول المعارضة بين مفهوم الغاية فيه ومفهوم الشرط فيما بعده ، إلا أن الأول عنده أقوى في الدلالة من الثاني ، ولذا يقدم عليه ، والنافي يدعي سلامة الثاني عن معارضة الأول ، وكذا الحال في قوله سبحانه : * ( فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ) * ( 2 ) فيعارضه بظاهره ما دل على توقف الحلية على الدخول إلا مع حمل النكاح فيه على الوطء ء ، إلى غير ذلك من الأمثلة . وما يوجد في كلامهم من التمثيل بقوله : " صم إلى الليل " فإنما الغرض منه جهة التقييد بالغاية فيه مع قطع النظر عن اعتبار الهيئة التركيبية في مورده ، وإلا فالدلالة على الانتفاء في مثله حاصلة على القولين ، نظرا إلى دلالة الأمر على الوجوب النفسي ومتعلقه على المطلوبية بالاستقلال كما عرفت .
هامش
( 1 ) البقرة : 222 . ( 2 ) البقرة : 230 .
هداية المسترشدين — صفحة 540 | الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني