تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية المسترشدين — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
العقل بالجواز مستفاد من عدم حكم الشارع بالوجوب ، من غير أن يصرح بالجواز ، وإنما لم يجر حكم الشارع بالجواز مع أنه لازم - لعدم حكمه بالوجوب - لأنه لما كان الإتيان بذي المقدمة مطلوبا للشارع على جهة الالزام وكان الإتيان به لا ينفك عن الإتيان بمقدمته كان الحكم بجواز تركه عبثا بل منافيا لغرضه ، إذ فائدة الحكم به هو اقدام المكلف على الترك إذا شاء وهو غير ممكن في المقام ، إذ لا يجامع ذلك الإتيان بذي المقدمة الواجب في الشريعة ، فيشبه الحكم به الحكم بجواز الإتيان بالممتنعات ، كالطيران في السماء والمشي على الماء ، فليس عدم جواز الشارع بالجواز في المقام من جهة انتفاء الجواز حتى يتوهم بسببه وجوب المقدمة ، بل من جهة كونه لغوا لا ينبغي صدوره عن الحكيم . فحاصل الجواب : أن جواز حكم الشرع بجواز الترك إنما يتم إذا تفرع فائدة على حكمه واما إذا خلا عنها فلا ، بخلاف حكم العقل به فإن من شأنه إدراك الواقع وإن خلا ذلك عن ثمرة تترتب عليه في الأعمال ، وهذا هو الوجه فيما ذكره من جواز تحقق الحكم العقلي هنا دون الشرعي ، كما أشار إليه بقوله * ( لأن الخطاب به عبث . . . الخ ) * . وقد ظهر بذلك دفع ما قد يورد عليه : من أن المقرر في محله مطابقة حكم العقل للشرع بمعنى أن ما حكم به العقل قد حكم به الشرع ، فكيف يبنى على الانفكاك بينهما في المقام ؟ إذ ليس المدعى انفكاك حكم الشرع عن حكم العقل بأن لا يطابق حكم الشرع ما حكم به العقل ، كيف وقد كان الحكم المذكور من لوازم عدم إيجاب الشارع للمقدمة ؟ فهي أيضا في حكم الشرع مما يجوز تركه ، لكن المقصود عدم جواز تصريح الشارع بجواز تركه للزوم اللغو حسب ما ذكر . لكنك خبير بأن القول بعدم جواز تصريح الشارع بالحكم الثابت مع أن من شأنه بيان الأحكام غير متجه ، وما ذكر من لزوم اللغو في الحكم به فاسد ، إذ لا يعقل لغو في بيان الأحكام الشرعية ، وكيف يتصور ذلك في المقام ؟ وفي حكمه المذكور تصريح بعدم وجوب المقدمة واتحاد الواجب حتى لا يتوهم هناك
هداية المسترشدين — صفحة 143 | الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني