المعنى هو المقصود الأصلي الأولي من العبارة بمعنى أن لا يتقدمه مقصود أصلي
آخر يكون الانتقال إليه من جهته ، وإن تقدمه إرادة معنى آخر لمجرد الايصال إليه
لزم خروج كثير من الاستعمالات عن الحقيقة ، كما إذا كان الغرض المسوق له
الكلام إفادة لازم الحكم أو كان ( 1 ) الغرض الأصلي هو التلذذ بمخاطبة المحبوب
ونحو ذلك من الأغراض ، مع أنه من الظاهر إدراج ذلك كله في الحقيقة ، فما الفارق
في المقام ؟
قلت ( 2 ) : من البين أن هناك لوازم لنفس الإخبار والمخاطبة ولوازم للمعنى
هامش
( 1 ) قوله : " أو كان الغرض الأصلي هو التلذذ بمخاطبة المحبوب . . . الخ " لا يخفى وهن
الإشكال المذكور بالنسبة إلى مثل التلذذ بمخاطبة المحبوب ، لأنه اعتبر في الاستعمال كون
المعنى مقصودا بالإفادة ، ومن البين أن التلذذ وأشباهه من الأغراض ليست مما يقصد إفادتها
للمخاطب وانتقاله إليها لوضوح عدم صلوحها للإفادة ، وأن المتكلم إنما يقصد نفس حصولها
في الخارج ، فكان الأولى الاقتصار في تقرير الإشكال على لازم الحكم فإنه المقصود
بالإفادة للمتكلم ، فجعلهما من باب واحد والجواب عنهما بوجه واحد ليس على ما ينبغي .
للشيخ محمد ( سلمه الله ) . من المطبوع ( 1 ) .
( 2 ) قوله : " قلت : من البين . . . الخ " محصل الجواب منع الملازمة المذكورة ، وتوضيحه أن المراد
بما اعتبرناه في معنى الاستعمال من كون المعنى مقصودا أصليا أن لا يكون مقصودا لمجرد
الانتقال منه إلى غيره كما هو الحال في أحد وجهي الكناية ، وحينئذ فلا يلزم ما ذكر من كون
اللفظ مستعملا في لازم الحكم حيث يكون المقصود بالإفادة للمتكلم ، إذ ليس المعنى
الموضوع له حينئذ واسطة في الانتقال إلى اللازم المذكور ، لوضوح أن الانتقال إلى اللازم
إنما يكون بتوسط ملزومه ، والمفروض أن ملزومه الإخبار والحكم دون نفس المعنى
الموضوع له ، فإنما يراد الانتقال إلى اللازم المفروض من ملزومه الذي هو الإخبار ، والحكم
لا من نفس المعنى الموضوع له . وبالجملة : ففرق بين بين قولك : " زيد كثير الرماد " وغرضك
من كثرة الرماد مجرد الانتقال إلى جوده وقولك : " مات زيد " وغرضك من الإخبار بذلك
مجرد انتقال المخاطب إلى علمك به ، فإنهما وإن اشتركا في أن المعنى الموضوع له مراد من
اللفظ فيهما ، إلا أنك في المثال الأول إنما قصدت المعنى الموضوع له أعني كثرة الرماد
لمجرد الانتقال منه إلى لازمه ، وفي الثاني لم يقصد المعنى الموضوع له أعني موت زيد
بحسب الواقع ليكون ذلك المعنى واسطة في الانتقال إلى غيره ، وكون غرضك من الإخبار
المذكور أن ينتقل المخاطب إلى لازم ذلك الإخبار أمر آخر لا ربط له بإرادة المعنى
الموضوع له في نفسه ، أي لا لأجل الانتقال منه إلى غيره ، ولذا قلنا : يكون المعنى الموضوع
له مقصودا أصليا من اللفظ هنا واللفظ مستعملا فيه وحقيقة ، بخلاف الأول فإن المقصود
للأصلي عن اللفظ فيه هو اللازم واللفظ مستعمل فيه ومجاز . للشيخ محمد ( سلمه الله ) . من
المطبوع ( 1 ) .