فأراد كذب العير أمله ، لان العير لا يجوز أن ينسب إليه الكذب
الحقيقي الذي هو ضد الصدق ، المعنى أنه آمل أن ينجو من اقتناصي ،
فكذبه أمله ، لأنه ظن أنه إذا مر بارحا [ 1 ] - وهو ان يأخذ من جهة
الشمال إلى جهة اليمين - لم يتمكن الفارس من طعنه ، فلما قلب الرمح
فطعنه جاز أن يقول : كذبه أمله فيما ظنه من النجاة .
قال صاحب هذا القول : ( فان قيل كيف أكذبهم [ 2 ] الله في
قولهم : ( والله ربنا ما كنا مشركين ) ، وقد حلفوا على حق عندهم ! .
قيل له : ليس قوله تعالى : ( كذبوا ) ههنا من الكذب الذي هو
ضد الصدق ، وإنما هو من الايجاب والالزام ، فكأن معناه : انظر
كيف ألزموا أنفسهم الكفر وأوجبوا عليها الشرك . وعلى هذا قول
بعض العرب : ( كذب عليك الحج ) [ 3 ] يريد إلزم الحج . وكما شكى
رجل إلى بعض الصحابة ألم رجله [ 4 ] فقال : ( كذب عليك العسل )
هامش
( 1 ) الظاهر بقرينة التفسير الذي ذكره المؤلف ان البارح مأخوذ من البروج
ومنه قولهم : برح الظبي . والبارح عند العرب : ما مر من اليمين إلى اليسار ، ويقابله
السانح وهو ما مر من اليسار إلى اليمين . والعرب تتطير بالمبارح وتتيمن بالسانح
وهذا يخالف ما ذكره المؤلف ، لكن ابن رشيق حكى في العمدة عن بعضهم : ان
السانح عند أهل الحجاز ما أتى عن اليمين إلى اليسار والبارح عكسه . وهم يتيمنون
بالبارح ويتشأمون بالسانح . وأهل نجد بالضد من ذلك .
( 2 ) وفي ( خ ) : كذبهم .
( 3 ) نسب في القاموس وشرحه هذه
الكلمة إلى عمر وقال في الشرح : قيل : معناها وجب عليك .
( 4 ) قال في اللسان : عمرو بن معدي كرب اشتكى إلى عمر المعص فقال :
كذب عليك العسل . يريد العسلان وهو مشي الذئب ، اي عليك بسرعة المشي .
والمعص بالعين المهملة : التواء في عصب الرجل .