قال تعالى : ( ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم . . . ) [ 1 ] أي : أسماعهم ،
وكذلك قوله سبحانه : ( لا يرتد إليهم طرفهم . . . ) [ 2 ] لأنه على
معنى : طروفهم [ 3 ] ، وعلى ذلك قول الشاعر [ 4 ] :
- إن العيون التي في طرفها مرض * قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
فكأنه جعل الآيات البينات ما بينه إبراهيم ( ع ) للناس بأمر الله
تعالى في تلك المواضع : من مناسكهم ومواضع متعبداتهم ، فكانت
المناسك كلها داخلة في مقام إبراهيم .
والمقام أيضا : المجلس ( وهو من غرائب التفسير ) وذلك
قوله تعالى في قصة سليمان : ( قال عفريت من الجن أنا آتيك به
قبل أن تقوم من مقامك . . . ) [ 5 ] اي : من مجلسك ، وقوله :
( قبل أن تقوم ) يدل على أنه كان قاعدا ، وإنما سمي المجلس : مقاما ، لان
فيه يكون قيام الجالس بعد قعوده ، وهذا من عجائب كلامهم ، وغوامض
مصارف لسانهم . والمقامة أيضا : الجماعة من الناس ، ومنه قول لبيد :
ومقامة غلب الرقاب كأنهم * جن البدي رواسيا أقدامها [ 6 ]
هامش
( 1 ) البقرة : 7 .
( 2 ) إبراهيم : 43
( 3 ) كذا ، والطرف
لا يجمع ولا يثني ، وإنما طروف جمع طرف بكسر فسكون
( 4 ) جرير
( 5 ) النمل : 39
( 6 ) جمع المؤلف رحمه الله بين صدر بيت للشاعر
وعجز بيت آخر له ، قال لبيد في معلقته :
غلب تشذر بالذحول كأنها * جن البدي رواسيا اقدامها
فاخذه منه عجزه وقال في أخرى :
ومقامة غلب الرقاب كأنهم * جن لدى باب الحصير قيام
فاخذ منه صدره ولا يخفى ما بين البيتين من تشابه . تشذر ( بتشديد
الذال ) : تتوعد . البدي : البادية . الغلب : الغلاظ . الحصير : الملك المحجوب
عن الناس أو السجن .