بهم عنه ويحول بنيهم وبينه ، فنظرنا فوجدنا العقول توجب لمن عدل عن
طريق عبادته أن يعدل به عن طريق مثوبته
ألا ترى إلى قوله تعالى : ( ومن كان في هذه أعمى فهو في
الآخرة أعمى وأضل سبيلا ) ( 1 ) ! وليس يعمى في الآخرة عن
الايمان ولا يصرف إلى الكفر والضلال ، إذ لا معصية ولا طاعة في
الآخرة ، لان العباد أجمع هناك ملجئون إلى معرفة الله سبحانه ، لا خلاف
في ذلك ، ولكنه لما كان أعمى في الدار الدنيا - بمعنى الجهل بالحق
والتعاشي عن الرشد - أخبر الله سبحانه أنه يعميه عن النظر إلى الجنة
ومواقع نعيمها ومطالع سرورها ، بمعنى انه يلفته عن ذلك ويصرفه عنه
فوصف تعالى الذهاب في الضلال والاقتطاع عن الثواب ، بأنهما عمى ،
[ وكذلك ] ( 2 ) وصف عدول الانسان عن الطاعة والعدول به عن
طريق الثواب والجنة بأنهما زيغ .
ومما يكشف عن ذلك أن زيغ الزائغين فعل لهم ، وإزاغة الله تعالى
لهم فعل له ، فإذا ثبت أن زيغهم عن الايمان علمنا أن إزاغتهم عن الثواب ،
وإلا لكان الفعلان واحدا ، وقد علمنا أن جهتي الفعل مختلفتان .
فأما قوله تعالى [ فهو في الآخرة أعمى ] فلا يجوز أن يكون
أفعل من عمى العين ، لان هذا الجنس مما لا يقع التزايد فيه ( 3 ) ، فلا يقال :
هذا أعمى من هذا ، ولا هذا أعور من هذا ، من أجل أن هذه العيوب
والألوان خلق في الجسد بمنزلة اليد والرجل وسائر الأعضاء المباينة
هامش
( 1 ) الاسراء : 72 .
( 2 ) وفي ( خ ) . ولذلك .
( 3 ) ولان عمى الدنيا ليس ذنبا يجازى به يوم الآخرة ، ولان أضلية السبيل كتفسير للعمى .
فهاتان القرينتان المعنويتان تكفيان دلالة على أن العمى هنا ليس عمى العين - اللهم الا ان يراد
الأعم في الجزاء يوم الجزاء توهينا له في العقاب ( الصادقي )