ما استطاعوا من قوة ، حتى بدت طلائعه في دعاية عريضة على صفحات الصحف
من قبل وزارة الارشاد تنبئ بظهور هذا المولود السعيد ؟ ! وما كدت أتناوله
بين يدي وأتبين معارفه ومغابنه حتى رأيته مشوه الخلق هزيلا - يصدق عليه
المثل العربي القديم - تمخض الجبل فولد فأرة - وإن كان قد بدا للناس
في ثوب مزركش . .
ولو أنت تدبرت هذا الكتاب في مجموعه وأحكمت ذلك بعقل راجح
وأمعنت فيه بنظر غير مدخول ، لوجدت الحشد والاجتلاب قد شاعا فيه من
كل جانب وأنه قد ضم ما ضم " حبل الحاطب " مما لا يفيد العلم أو النقد في شئ ! !
تناولت هذا الكاتب وأنا أظن أنه قد روعي فيه الأسلوب العلمي النزيه ،
واتبع فيه أصول النقد الحديث ، وأنه قد آن لمؤلفيه أن يتحرروا من إصر الجمود ،
وأن يميطوا عن عقولهم غطاء التقليد ، حتى يكون نقدهم أدنى إلى الصواب ،
وأقرب إلى الحق - ولكن وا أسفا فإني ما كدت أقرأ مقدمته حتى ألفيته من
جنس ما سبقه من الكتب ( شكلا وموضوعا . ) وكأننا نكلف هؤلاء القوم
ضد طباعهم إذا نحن حاولنا أن نطلب منهم أن يلتزموا جادة البحث العلمي
الخالص ، وأن يقرعوا الحجة بالحجة ، ويدفعوا الدليل بالدليل ، ذلك بأنهم
جميعا بين مقلد ( 1 ) ليس له رأى مستقل ، ولا عقل مستدل ، وإنما ينقل عن
هامش
( 1 ) قال عبيد الله بن المعتز : لا فرق بين بهيمة تقاد ، وإنسان يقلد . وقال حافظ المغرب ابن
عبد البر شرحا لهذه الحكمة الجليلة : وهذا لغير العامة الذين هم المرادون بقول الله عز وجل : " فاسألوا
أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " ، وإذا كانوا قد أجمعوا على أن الأعمى لابد له من تقليد غيره ممن
يثق بميزة القبلة ، فكذلك من لا علم له ولا بصر بمعنى ما يدين به ، لابد له من تقليد عالمه .
ولأن التقليد أمر خطير يضر بالدين والعلم معا فقد أنشأ فيه ابن عبد البر أبياتا من الشعر رجا
من ورائها جزيل الاجر لكي يحفظ الناس هذه الحكمة وقال : لان من الناس من يسرع إليه
حفظ المنظوم ويتعذر عليه المنثور . ونحن ننقل هنا من شعره هذين البيتين :
يا سائلي عن موضع التقليد خذ * عنى الجواب بفهم لب حاضر
لا فرق بين مقلد وبهيمة * تنقاد بين جنادل ودعاثر
ص 114 و 115 ج 2 جامع بيان العلم وفضله - ( والجنادل الصخور العظيمة والدعاثر الحفر
العميقة ) .
وقال أحمد بن حنبل : انظروا في أمر دينكم فإن التقليد لغير المعصوم مذموم وفيه عمى للبصيرة .
ص 297 الاسلام الصحيح .
ومما قالوه : ما أضيع البرهان عند المقلد !