كان مما وصل إليه علم وتحقيق هؤلاء الشيوخ في موضوع كتابة الحديث
النبوي ، أن خرجوا على الناس برأي ابتدعوه من عند أنفسهم ، لم يقل به أحد .
من قبل ! ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله قد نهى عن كتابة حديثه في العهد المكي !
ولما انتقل إلى المدينة أباح كتابته ، فكتبه أصحابه ، وهاك ما جاء في كتيبهم
هذا بنص حرفه : " إن موضوع القرآن في هذه الفترة ( أي في العهد المكي )
كان موضوعا محددا : لقد كان جملة من القضايا تتصل بالغيب ، الغيب
الإلهي ، أو - بتعبير آخر - توضيح العقيدة :
توحيدا ، ورسالة ، وبعثا . وكان أسلوب القرآن في ذلك واضحا لا لبس
فيه ، بينا بيانا سافرا " ( 1 ) أي لا يحتاج إل بيان أو تفسير من النبي صلى الله عليه وآله " من
أجل ذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن كتابة حديثه ، صلوات الله وسلامه
عليه " ( 2 ) ، " ولكن في فترة العهد المدني تغير الوضع " ( 3 ) أي بما نزل من آيات
التشريع وغيرها مما يحتاج إلى بيان وشرح ، " من أجل ذلك أباح الرسول صلى الله عليه وآله
كتابته بعد أن كان قد نهى عنها ، وبدأ الصحابة رضوان الله عليهم
يكتبون " ( 4 ) .
هذا ما انتهى إليه تحقيق شيوخنا في أمر كتابة الحديث . وهي مجازفة خطيرة
لا تغتفر ! ينبذها العقل الصريح ويأباها النقل الصحيح ! ذلك بأنها تقضى
حتما بأن النبي صلى الله عليه وآله قد ظل طوال العهد المكي صامتا لا ينطق بكلمة واحدة ،
لا في بيان ما ينزل من القرآن ، ولا في أي غرض من أغراض الرسالة مما يتصل
بشؤون الناس وحياتهم ! وإذا تحدث بشئ ، فإنه لا يستحق أن يكتب عنه ،
ولا يستأهل أن يؤثر من بعده ! وهذا ما لا يمكن تصوره أو تصديقه ، فضلا
هامش
( 1 ) ص 34 .
( 2 ) ص 35 .
( 3 ) ص 38 .
( 4 ) ص 40 .