ولا السبط ، كان جعدا رجلا ، ولم يكن بالمطهم ولا المكلثم ، وكان أبيض
مشربا ، أدعج العينين ، أهدب الأشفار ، جليل المشاش والكتد ، دقيق
المسربة ، أجرد ، شثن الكفين والقدمين ، إذا مشى تقلع ، كأنما يمشى في صبب ،
وإذا التفت التفت معا ، بين كتفيه خاتم النبوة ، وهو [ صلى الله عليه وسلم ]
خاتم النبيين ، أجود الناس كفا ، وأجرأ الناس صدرا ، وأصدق الناس لهجة ،
وأوفى الناس ذمة ، وألينهم عريكة ، وأكرمهم عشرة ، من رآه بديهة هابه ،
ومن خالطه أحبه ، يقول ناعته : لم أر قبله ولا بعده مثله ، صلى الله عليه وسلم .
قال محمد بن إسحاق : وكان فيما بلغني عن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها
، واسمها هند ، في مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنها كانت تقول :
ما أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو في بيتي ، نام عندي تلك الليلة
في بيتي ، فصلى العشاء الآخرة ، ثم نام ونمنا ، فلما كان قبيل الفجر أهبنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فلما صلى الصبح وصلينا معه قال : يا أم هانئ ، لقد صليت
معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي ، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه
ثم قد صليت صلاة الغداة معكم الآن كما ترين ، ثم قام ليخرج ، فأخذت بطرف
ردائه ، فتكشف عن بطنه كأنه قبطية مطوية ، فقلت له : يا نبي الله ، لا تحدث
بهذا الناس فيكذبوك ويؤذوك ، قال : والله لأحدثنهموه . قالت : فقلت لجارية
لي حبشية : ويحك ! اتبعي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تسمعي ما يقول
للناس ، وما يقولون له . فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس أخبرهم
فعجبوا ، وقالوا : ما آية ذلك يا محمد ؟ فإنا لم نسمع بمثل هذا قط ! قال : آية ذلك
أنى مررت بعير بنى فلان بوادي كذا وكذا ، فأنفرهم حس الدابة ، فند لهم بعير
فدللتهم عليه ، وأنا موجه إلى الشام . ثم أقبلت حتى إذا كنت بضجنان مررت
بعير بنى فلان ، فوجدت القوم نياما ، ولهم إناء فيه ماء قد غطوا عليه بشئ ،
فكشف غطاءه وشربت ما فيه ، ثم غطيت عليه كما كان ، وآية ذلك أن
السيرة النبوية — صفحة 272
مساهمون: ابن هشام الحميري
ص٢٧٢