الفقه يقف عليها المتدبر . والسر في ذلك أن حجية الأصل في النفي والعدم إنما هو من حيث
لزوم قبح تكليف الغافل كما سيتضح لك إن شاء الله تعالى ، وهذا لا يجري في اثبات
الحكم به ، ولا دليل سوى ذلك ، فيلزم اثبات حكم لا دليل .
إذا تقرر ذلك فاعلم أن البراءة الأصلية في قسمين : ( أحدهما ) - أنها عبارة عن نفي
الوجوب في فعل وجودي إلى أن يثبت دليله . بمعنى أن الأصل عدم الوجوب حتى
يثبت دليله . وهذا القس مما لا خلاف ولا اشكال في صحة الاستدلال به والعمل
عليه ، إذ لم يذهب أحد إلى أن الأصل الوجوب ، لاستلزام ذلك تكليف ما لا يطاق
وللأخبار الدالة على أن " ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم " ( 1 )
و " الناس في سعة ما لم يعلموا " ( 2 ) و " رفع القلم عن تسعة أشياء . وعد منها
هامش
( 1 ) المروى في الوسائل عن التوحيد والكافي في باب - 12 - من أبواب صفات
القاضي وما يقضى به من كتاب القضاء . ولكن رواية الكافي ليس فيها كلمة ( علمه ) .
( 2 ) الشهاب في الحكم والآداب ص 7 ( في الألف الموصول والمقطوع ) للقاضي محمد بن سلامة
والذي وقفنا عليه مما يوافقه في المعنى من كتبنا - هي رواية السفرة المروية في الكافي في باب 48 - من كتاب
الأطعمة وفي الوسائل في باب 23 - من كتاب اللقطة . واليك نص الرواية كما في الكافي :
( علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله ( عليه السلام )
ان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) سئل عن سفره وجدت في الطريق مطروحة كثير لحمها
وخبزها وبيضها وجبنها ، وفيها سكين . فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : يقوم ما فيها
ثم يؤكل ، لأنه يفسد وليس له بقاء ، فان جاء طالبها غرموا له الثمن . قيل يا أمير المؤمنين
لا يدرى سفرة مسلم أو سفرة مجوسي ؟ فقال : هم في سعة حتى يعلموا .