إن شاء الله تعالى . وأما الثالث فإن كانت تلك القاعدة مستفادة من الكتاب والسنة
فلا اشكال في صحة البناء عليها ، ومنه قولهم : الأصل في الأشياء الطهارة ، أي القاعدة
المستفادة من النصوص - وهي قولهم ( عليهم السلام ) : " كل شئ طاهر حتى تعلم
أنه قذر " ( 1 ) - تقتضي طهارة كل شئ ، وأما الرابع فهو محل الاختلاف في المقام
ومرمى سهام النقض والابرام .
ثم إنه يجب أن يعلم أن الأصل بمعنى النفي والعدم إنما يصح الاستدلال به - على
تقديره - على نفي الحكم الشرعي لا على اثباته ، ولهذا لم يذكر الأصوليون البراءة
الأصلية في مدارك الأحكام الشرعية ، وحينئذ فإذا كانت البراءة مستلزمة لشغل
الذمة من جهة أخرى امتنع الاستدلال بها ، كما إذا علم نجاسة أحد الثوبين أو الإناءين
بعينه واشتبه بالآخر ، فإنه لا يصح الاستدلال على طهارة كل واحد منهما بأن يقال :
الأصل عدم نجاسته ، فإنه ينتج ممن ذلك الحكم بطهارتهما ويلزم منه اشتغال الذمة
بالنجاسة لمعلوميتها كما عرفت وإن جهل تعينها ، ولذلك فروع ( 2 ) كثيرة في أبواب
هامش
( 1 ) الوارد بهذا المضمون هو موثق عمار الذي رواه الشيخ في التهذيب في كيفية
غسل الأواني من باب ( تطهير الثياب وغيرها من النجاسات ) من كتاب الطهارة . ورواه
في الوسائل في باب - 27 - من أبواب النجاسات والأواني والجلود من كتاب الطهارة .
واليك نصه : ( عن محمد بن أحمد بن يحيى عن أحمد بن الحسن عن عمرو بن سعيد
عن مصدق بن صدقة عن عمار عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) في حديث قال : كل شئ نظيف
حتى تعلم أنه قذر ، فإذا علمت فقد قذر ، وما لم تعلم فليس عليك .
( 2 ) ( منها ) - ما لو اشتغلت ذمة المكلف بصلاة من الخمس غير معينة ، فإنه لا يصح
ان يقال : الأصل براءة الذمة من كل فرد فرد من تلك الافراد المعلومة الاشتغال وان جهل
محله ، بل الواجب كما ورد به النص الاتيان بجميع الافراد المشكوكة ، ومثله الشك في الجمعة
والظهر ، والشك في القبلة . وفي جميع هذه المواضع يجب الاحتياط بما يوجب الخروج
من عهدة التكليف . نعم لو حصل الشك مع ذلك الواجب في محرم كما إذا وجب عليه وطء
الزوجة بنذر وشبهه واشتبهت بالأجنبية ، امتنع الاحتياط بالاتيان بالافراد المشكوكة ،
لتحريم وطء والأجنبية مطلقا معلومة كانت أو مشتبهة . وللزوم الجمع بين النقيضين ، وهكذا
في كل موضع تردد الفعل بين الوجوب والتحريم ، كما لو وجب قتل شخص قصاصا فاشتبه
بمحترم ونحو ذلك ، فإنه لا مجال هنا لأصالة الوجوب ولا للاحتياط ، ويفهم من بعض الأخبار
- كما ذكرنا في المقدمة الرابعة - ان الاحتياط هنا بالترك ( منه رحمه الله ) .