جدلية شكلية ، حمى وطيسها ، وارتفعت ألسنة لهيبها ، فاضطرت هذا إلى
الهروب والفرار ، وذاك إلى الاختباء والتواري عن الأنظار ، وثالث ألقي في
ظلمات السجون تلسعه السياط ليل نهار ، والمؤلم والعجيب أن
معظم تلك النيران المتضرمة كان منشؤها شرر خلافات لفظية لا طائل تحتها ،
ولا تقدم من أمر الدين شيئا ولا تؤخر ، ولا شك أن الحسد الذميم هو الذي
يذكي أوار مثل تلك الخلافات التي اتخذت مظهر الدفاع عن الدين ، وذب البدع
المزعومة عن أصوله وأحكامه ، ها هو ذا البخاري أمير علم الحديث ، وصاحب
أصح كتاب بعد كتاب الله عز وجل ، يسأل عن اللفظ بالقرآن ، فيقول : القرآن
كلام الله غير مخلوق ، وأعمالنا مخلوقة . فيتورم لجوابه أنف شيخه محمد بن
يحيى الذهلي ، ويصيح قائلا : القرآن كلام الله غير مخلوق ، ومن زعم : لفظي بالقرآن مخلوق ، فهو مبتدع لا يجلس إلينا . ثم أعلن أنه سيقاطع كل من يذهب
بعد هذا إلى البخاري ، فانقطع الناس عنه إلا مسلم بن الحجاج وأحمد بن
سلمة ، لكن لم تشتف نفس الذهلي ، ولم يذهب غيظ قلبه ، وضاقت عليه البلد
التي تجمعه والبخاري ، فقال : لا يساكنني محمد بن إسماعيل في البلد ، فخشي
البخاري على نفسه ، وسافر من نيسابور . ولا ننسى أيضا تلك المأساة التي وقع
في أتونها من قبل الإمام أحمد بن حنبل ، فقضى ما ينيف على عشر سنوات في
سجون خصومه حبيس السياط والعذاب .
وابن حبان أيضا لم ينج مما وقع فيه من قبله ، فإن المنزلة الرفيعة التي
تبوأها أشعلت الغيرة في صدور حاسديه ، فهم يتربصون به هفوة أو سقطة
أو خطأ ، ليملؤوا الدنيا نكيرا عليه ، وينفروا قلوب الخلق عنه ، ويتورط
ابن حبان ، فيتفوه بعبارة صاغها أسلوبه في فذلكة الكلام وفلسفة المعاني فيجد
فيها المتربصون فرصة ليقيموا عليه الدنيا ، وثغرة يلجون منها ليطعنوه طعنة قاتلة
ويستريحوا منه ، وهم عند عامة الناس منصفون ، مقيمون للحد الذي شرعه الله ،
لقد تورط ابن حبان ، فقال : " النبوة : العلم والعمل " ، وهذا قول إن أجري على
ظاهره حكم على صاحبه بالزندقة ، واستحق به القتل ، وهذا ما حدث ، فقد
صحيح ابن حبان — صفحة 22
مساهمون: ابن حبان
ص٢٢