وإذ لم يصح عنده الناسخ منهما فهو منهي أن يقفو ما لا علم له به ، وهذا خطأ ،
وبعضنا يرى ههنا الاخذ بالزائد ، وبه نقول .
فليس منا أحد - ولله الحمد - ترك حديثا صحيحا بلغه بوجه من الوجوه لقول
أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا لرأي ولا لقياس ونعوذ بالله من ذلك .
وأما هم فإنهم يتركون نصوص القرآن لآرائهم وأهوائهم وتقليدهم ، ويتركون
الصحيح من الحديث عندهم كذلك ، ويتركون القياس وهم يعرفونه ويعلمونه وهو
ظاهر إليهم كذلك ، فالقوم لم يتمسكوا إلا باتباع الهوى والتقليد فقط ، ونعوذ
بالله من الخذلان .
وقد انتهينا من إيضاح البراهين على إبطال الحكم بالقياس في دين الله تعالى
إلى حيث أعاننا الله تعالى عليه ، راجين الاجر الجزيل على ذلك ، ولاح لكل من
ينصف نفسه : أن القياس ضلال ومعصية وبدعة ، لا يحل لاحد الحكم به في شئ
من الدين كله ، فليتق كل امرئ ربه . ولا يحمله اللجاج على الاعراض عن الحق ،
ولا يقتحم به حب استدامة رياسة قليلة على تحمل ندامة طويلة ، فعن قريب
يقف في مواقف الحكم بين يدي عالم الخفيات ، فليفكر من حكم في دين
الله تعالى بغير ما عهد به إليه في كلامه وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلينا : ماذا
تكون حجته إذا سئل عن ذلك ؟ . وليوقن أن من سئل يوم القيامة بماذا
حكمت ؟ . فقال : بكلامك يا رب وكلام رسوله إلي ، فقد برئ من التبعة
من هذا الوجه جملة ، ومن زاد على ذلك أو تعداه فلينظر في المخلص ، وليعد
المسألة في حكمه بتقليد الآباء ورأيه وقياسه جوابا و : * ( فستذكرون ما أقول
لكم وأفوض أمري إلى الله ) * وحسبي الله ونعم الوكيل .
الاحكام — صفحة 1109
مساهمون: ابن حزم
ص١١٠٩