وثانيها : شرط معلق بصفة فحيث وجد فواجب ما علق بذلك الشرط ، مثل قوله
تعالى : " إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف " فقد صح بهذا أن من انتهى غفر له . وثالثها :
لفظ يفهم منه معنى فيؤدى بلفظ آخر وهذا نوع من تسميه أهل الاهتبال بحدود
الكلام المتلائمات مثل قوله تعالى : * ( إن إبراهيم لأواه حليم ) * فقد فهم من هذا
فهما ضروريا أنه ليس بسفيه وهذا هو معنى واحد يعبر عنه بألفاظ شتى كقولك
الضيغم والأسد والليث والضرغام وعنبسة ، فهذه كلها أسماء معناها واحد وهو
الأسد . رابعها : أقسام تبطل كلها إلا واحدا فيصح ذلك الواحد مثل أن يكون
هذا الشئ إما حرام فله حكم كذا ، وإما فرض له حكم كذا وإما مباح فله حكم
كذا ، فليس فرضا ولا حراما فهو مباح له حكم كذا أو يكون قوله يقتضي أقساما
كلها فاسد فهو قول فاسد . وخامسها : قضايا واردة مدرجة فيقتضي ذلك أن الدرجة
العليا فوق التالية لها بعدها وإن كان لم ينص على أنها فوق التالية ، مثل قولك :
أبو بكر أفضل من عمر ، وعمر أفضل من عثمان ، فأبو بكر بلا شك أفضل من عثمان .
وسادسها : أن نقول : كل مسكر حرام ، فقد صح بهذا أن بعض المحرمات مسكر
وهذا هو الذي تسميه أهل الاهتبال بحدود الكلام ، عكس القضايا ، وذلك أن
الكلية الموجبة تنعكس جزئية أبدا . وسابعها : لفظ ينطوي فيه معان جمة مثل
قولك : زيد يكتب ، فقد صح من هذا اللفظ أنه حي ، وأنه ذو جارحة سليمة
يكتب بها وأنه ذو آلات يصرفها ، ومثل قوله تعالى : * ( كل نفس ذائقة الموت ) *
فصح من ذلك أن زيدا يموت وأن هندا تموت وأن عمرا يموت وهكذا كل ذي
نفس ، وإن لم يذكر نص اسمه .
فهذه هي الأدلة التي نستعملها وهي معاني النصوص ومفهومها وهي كلها واقعة
تحت النص وغير خارجة عنه أصلا ، وقد بيناها وأنعمنا الكلام عليها في كتابنا
الموسوم بكتاب التقريب واقتصرنا ههنا على هذا المقدار من ذكرها فقط ، وجميع
هذه الأنواع كلها لا تخرج من أحد قسمين ، إما تفصيل لجملة ، وإما عبارة عن معنى
واحد بألفاظ شتى ، كلغة يعبر عنها بلغة أخرى .
وأما ما أدرك بالحس فقط جاء النص بقبوله عز وجل : * ( أم لهم أعين
يبصرون بها ) * وسائر النصوص المستشهد فيها بالحواس وبالعقل ، مع أن الحواس
الاحكام — صفحة 677
مساهمون: ابن حزم
ص٦٧٧