ومالك والشافعي أزيد من عشرة آلاف مسألة لم يقل فيها أحد قبلهم بما قالوه ،
فكيف يسوغ هؤلاء الجهال للتابعين ، ثم لمن بعدهم أن يقولوا قولا لم يقله أحد قبلهم ،
ويحرم ذلك على من بعدهم إلينا ، ثم إلى يوم القيامة فهذا من قائله دعوى بلا برهان
وتخرص في الدين ، وخلاف الاجماع على جواز ذلك لمن ذكرنا ، فالامر كما ذكرنا ،
فمن أراد الوقوف على ما ذكرنا فليضبط كل مسألة جاءت عن أحد من الصحابة ،
فهم أول هذه الأمة ، ثم ليضرب بيده إلى كل مسألة خرجت عن تلك المسائل ،
فإن المفتي فيها قائل بقول لم يقله أحد قبله ، إلا أن بيننا نحن وبين غيرنا فرقا ، وهو
أننا لا نقول في مسألة قولا أصلا إلا وقد قاله تعالى في القرآن أو رسوله عليه
السلام فيما صح عنه ، وكفى بذلك أنسا وحقا . وأما من خالفنا فإن أكثر كلامه
فيما لم يسبق إليه ، فمن رأيه ، وكفى بهذا وحشة . والحمد لله رب العالمين كثيرا
وصلى الله على محمد خاتم النبيين وحسبنا الله ونعم الوكيل .
الباب الثامن والعشرون
في تسمية الصحابة الذين رويت عنهم الفتيا وتسمية الفقهاء المذكورين في
الاختلاف بعد عصر الصحابة رضي الله عنهم
قال أبو محمد : أما الصحابة رضي الله عنهم فهو كل من جالس النبي صلى الله عليه وسلم
ولو ساعة ، وسمع منه ولو كلمة فما فوقها ، أو شاهد منه عليه السلام أمرا يعيه ،
ولم يكن من المنافقين الذين اتصل نفاقهم ، واشتهر حتى ماتوا على ذلك ، ولا مثل
من نفاه عليه السلام باستحقاقه كهيت المخنث ومن جرى مجراه ، فمن كان كما وصفنا
أولا فهو صاحب ، وكلهم عدل إمام فاضل رضي ، فرض علينا توقيرهم وتعظيمهم ،
وأن نستغفر لهم ونحبهم ، وتمرة يتصدق بها أحدهم أفضل من صدقة أحدنا بما يملك ،
وجلسة من الواحد منهم مع النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من عبادة أحدنا دهره كله ، وسواء
كان من ذكرنا على عهده عليه السلام صغيرا أو بالغا ، فقد كان النعمان بن بشير ،
وعبد الله بن الزبير ، والحسن والحسين ابنا علي رضي الله عنهم أجمعين من أبناء
العشر فأقل إذ مات النبي صلى الله عليه وسلم . وأما الحسين فكان حينئذ
الاحكام — صفحة 663
مساهمون: ابن حزم
ص٦٦٣