وخديجة رضي الله عنهما فقط ، فكانا هم الجماعة ، وكان سائر أهل الأرض
- غيرهما وغير رسول الله صلى الله عليه وسلم - أهل الشذوذ ، وفرقة وهذا الذي قلنا ، لا خلاف
فيه بين العلماء ، وكل من خالف فهو راجع إليه ومقربه شاء أو أبى ، والحق هو
الأصل الذي قامت السماوات والأرض به قال الله تعالى : * ( وما خلقنا السماوات
والأرض وما بينهما إلا بالحق ) * فإذا كان الحق هو الأصل فالباطل خروج عنه ،
وشذوذ منه فلما لم يجز أن يكون الحق شذوذا . وليس إلا حق أو باطل صح
أن الشذوذ هو الباطل ، وهذا تقسيم أوله ضروري وبرهان قاطع كاف ولله الحمد .
ويسأل من قال : إن الشذوذ هو مفارقة الواحد للجماعة : ما تقول في خلاف
الاثنين للجماعة ؟ فإن قال : هو شذوذ ، سئل عن خلاف الثلاثة للجماعة ، ثم يزاد
واحدا واحدا هكذا أبدا ، فلا بد له من أحد أمرين : إما أن يجد عددا ما بأنه
شذوذ ، وإن ما زاد عليه ليس شذوذا ، فيأتي بكلام فاسد لا دليل عليه ، فيصير
شاذا على الحقيقة ، أو يتمادى حتى يخرج عن المعقول وعن إجماع الأمة فيصير
شاذا على الحقيقة أيضا ، ولا بد له من ذلك ، وبالله تعالى التوفيق .
فكل من أداه البرهان من النص أو الاجماع المتيقن إلى قول ما ، ولم يعرف
أحد قبله قال بذلك القول ، ففرض عليه القول بما أدى إليه البرهان ، ومن خالفه
فقد خالف الحق ، ومن خالف الحق فقد عصى الله تعالى ، قال تعالى : * ( قل هاتوا
برهانكم إن كنتم صادقين ) * ولم يشترط تعالى في ذلك أن يقول به قائل قبل القائل
به ، بل أنكر تعالى ذلك على من قاله ، إذ يقول عز وجل حاكيا عن الكفار
منكرا عليهم أنهم قالوا : * ( ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق ) * .
قال أبو محمد : ومن خالف هذا فقد أنكر على جميع التابعين ، وجميع الفقهاء
بعدهم ، لان المسائل التي تكلم فيها الصحابة رضي الله عنهم من الاعتقاد أو الفتيا
فكلها محصور مضبوط ، معروف عند أهل النقل من ثقات المحدثين وعلمائهم ،
فكل مسألة لم يرو فيها قول عن صاحب ، لكن عن تابع فمن بعده ، فإن ذلك التابع
قال في تلك المسألة بقول لم يقله أحد قبله بلا شك ، وكذلك كل مسألة لم يحفظ فيها
قول عن صاحب ولا تابع ، وتكلم فيها الفقهاء بعدهم فإن ذلك الفقيه قد قال في
تلك المسألة بقول لم يقله أحد قبله ، ومن ثقف هذا الباب فإنه يجد لأبي حنيفة
الاحكام — صفحة 662
مساهمون: ابن حزم
ص٦٦٢