بالذهب ربا إلا هاء وهاء ، والفضة بالفضة ربا إلا هاء وهاء فوجب حمل كل
ذلك على كل بر ، وكل شعير ، وكل تمر ، وكل ملح ، وكل ذهب ، وكل فضة ،
وكقوله عليه السلام : كل مسكر حرام فوجب أن يحمل على كل مسكر ، وكل
من تعدى هذا فقد أبطل حكم اللغة ، وحكم الديانة .
قال علي : وشغبوا أيضا بآيات الوعيد مثل قوله تعالى : * ( وإن الفجار لفي جحيم ) *
* ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) * قالوا : وهي غير محمولة على عمومها .
قال علي : ولولا النصوص الواردة بقبول التوبة ، وبالموازنة ، وبغفران
السيئات باجتناب الكبائر لوجب ضرورة حمل آيات الوعيد على ظاهرها وعمومها ،
ولكن صرنا إلى بيان خطاب آخر ، وكذلك القول في الآية الأخرى ، وفي كل
آية وخطاب حديث وخبر ، ونحن لا ننكر تخصيص العموم بدليل نص آخر
أو ضرورة حس ، وإنما أنكرنا تخصيصه بلا دليل .
قال علي : وسألونا أيضا فقالوا : تعتقدون في أول سماعكم الآية والحديث ،
قبل تفهمكم فالجواب : إننا نعتقد العموم ولا بد من ذلك ، وإلا أننا في أول سماعنا
وقبل تفقهنا لسنا مفتين ولا حكاما ولا منذرين ، حتى نتفقه ، فإذا تفقهنا حملنا
حينئذ كل لفظ على ظاهره وعمومه وحكمنا بذلك ، وأفتينا وتدينا إلا ما قام عليه
دليل أنه ليس على ظاهره وعمومه فنصير إليه ، ولو أن حاكما ، أو مفتيا لم يبلغه
تخصيص ما بلغه من العموم ، لكان الفرض عليهما الحكم بالذي بلغهما من العموم
والفتيا به ، وإلا فهما فاسقان حتى يبلغهما الخصوص فيصير إليه .
ثم نعكس عليهم هذا السؤال فنقول : ماذا تعتقدون في الآية والحديث إذا
سمعتموها قبل تفقهكم ، أتعتقدون في بطلان الطاعة لهما ، وأنهما منسوخان ، أو تعتقدون
وجوب الطاعة لهما وأنهما مستعملان محكمان ، ما لم يقم دليل على نسخهما ؟ فإن
قالوا : نعتقد أنهما منسوخان ، وأنهما على الوقف فارقوا قول جميع المسلمين ،
وأدى ذلك إلى إبطال جميع الشرائع ومفارقة الاسلام ، لان الدليل الذي يطلب
على بطلان النسخ ليس إلا آية أخرى ، أو نصا أو إجماعا ، ويلزمهم من الوقف في
الآية الأخرى ، وفي الحديث الآخر أو من القول بأنهما منسوخان ما لزم في
الخطاب الأول ، ولا فرق ، وهكذا أبدا ، ولزمهم الوقف أيضا في دعواهم الاجماع ،
الاحكام — صفحة 341
مساهمون: ابن حزم
ص٣٤١