قال علي : وفي هذا إبطال الكلام كله وإبطال التفاهم وفساد الحق والشرائع
كلها والعلوم كلها ، لأنه لا قول إلا وقد يوجد موضوعا في غير بنيته في اللغة ، إما
على المجاز أو الاتفاق بين المتخاطبين ، فلو وجب من أجل ذلك أن يبطل حمل
الأسماء على معانيها التي رتبت لها في اللغة لبطل كل ما ذكرنا ، وكفى فسادا بكل
قول أدى إلى إبطال الحقائق ، وبالله تعالى التوفيق
قال علي : فإن قالوا : إنا لم نوافقكم على أن لفظ الامر موضوعه في اللغة
الوجوب ، فيلزمنا ما ألزمتمونا ، وإنما قلنا : إنه ليس موضوعه في اللغة الوجوب
دون الندب ، ولا الندب دون الوجوب .
قال علي : فنقول وبالله تعالى التوفيق : قد أبطلنا في كلامنا هذا جواز وقوع لفظ
الامر على الوجوب وعلى الندب معا ، وفرقنا بين ذلك وبين وقوع الألفاظ
المشتركة مثل لون وعير على معان شتى ، وبينا أن ذلك جائز ممكن موجود ، وأن
وقوع لفظ الامر على الوجوب وعلى الندب معا محال ممتنع لا سبيل إليه ، ولا يتشكل
في العقل البتة فصح ضرورة أن لفظ الامر موضوع في أصل اللغة ، إما للوجوب
فقط - ثم نقل بدليل كما ذكرنا في بعض المواضع إلى الندب ، أو إلى غير الوجوب
من سائر المعاني التي سنبينها إن شاء الله تعالى ، وإما أنه موضوع في أصل اللغة
للندب خاصة ، أو لمعنى ما من سائر المعاني التي قد وردت بلفظ الامر ، ثم نقل إلى
الوجوب بدليل ، فهذا هو الذي يتشكل في العقل ، وأما احتمال وقوع لفظ الامر
على الندب والوجوب معا في وقت واحد ، فهذا باطل لأنه يوجب أن ورود
الامر لا حقيقة له أصلا ، ولا له معنى البتة ، وهذا أحمق من قول السوفسطائية
فهذا الذي أردنا أن نبين إحالته ، وقد صح والحمد لله .
ولا بد لكم من المصير إلى أحد الخبرين ضرورة ، إما أن تقولوا : لفظ الامر
موضوع للوجوب في اللغة ، حتى يصح دليل بنقله إلى غير الوجوب ، وهذا قولنا ،
وإما أن تقولوا : لفظ الامر موضوع لغير الوجوب في اللغة ، حتى يصح دليل
ينقله إلى الوجوب ، فإن قلتم ذلك ، سهل أمركم بقول وجيز بحول الله وقوته ، وحسبنا
أن قد قلعناكم بلطف الله عن مكان الشغب على الجهال ، وذلك أن قول القائل :
الأوامر كلها على غير الوجوب حتى يصح دليل نقلها إلى الوجوب ، دخول
الاحكام — صفحة 263
مساهمون: ابن حزم
ص٢٦٣