وقد فرق صلى الله عليه وسلم بين أمر الفرض ، وأمر التخيير بفرق ، ولا
مدخل للشغب فيه بعده ، وهو ما حدثناه عن عبد الله بن يوسف ، عن أحمد بن فتح ، عن
عبد الوهاب بن عيسى ، عن أحمد بن محمد ، عن أحمد بن علي ، عن مسلم ، ثنا أبو كامل
فضيل بن حسين الجحدري ، ثنا أبو عوانة ، عن شيبان ، عن عثمان بن عبد الله بن موهب ،
عن جعفر بن أبي ثور ، عن جابر بن سمرة ، قال : سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتوضأ
من لحوم الغنم ؟ قال : إن شئت فتوضأ ، وإن شئت فلا تتوضأ قال : أتوضأ من لحوم
الإبل ؟ قال : نعم فتوضأ من لحوم الإبل .
قال علي : فأورد عليه السلام الوضوء الذي ليس عليه واجبا بلفظ التخيير ،
وأورد الآخر بلفظ الامر فقط ، ولو كان معناهما واحدا ، لما كان عليه السلام
مبينا للسائل ما سأل عنه ، وهذا ما لا يظنه مسلم ، والله الهادي إلى سواء السبيل ،
وحسبنا الله ونعم الوكيل
فصل في كيفية ورود الامر
قال علي : الأوامر الواجبة ترد على وجهين : أحدهما : بلفظ افعل ، أو افعلوا ،
والثاني : بلفظ الخبر إما بجملة فعل وما يقتضيه من فاعل أو مفعول ، وإما بجملة
ابتداء وخبر .
فأما الذي يرد بلفظ افعل أو افعلوا ، فكثير واضح مثل : * ( أقيموا الصلاة
وآتوا الزكاة ) وخذ ( من أموالهم صدقة ) وما أشبه ذلك .
وأما الذي يرد بلفظ الخبر وبجملة فعل وما يقتضيه فكقوله تعالى : * ( قل إنما
حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ) * وكقوله تعالى : ( ان الله يأمر كم أن تؤدوا
الأمانات إلى أهلها ) وكقوله تعالى : ( كتب عليكم الصيام ) و " كتب عليكم القتال "
و " حرمت عليكم أمهاتكم " و " أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم " وأمرت
أن أسجد على سبعة أعظم وما أشبه ذلك وكثير من الأوامر التي ذكرنا وردت
كما ترى بمفعول لم يسم فاعله ، ولكن لما قال عز وجل - وقوله الحق - عن نبيه
صلى الله عليه وسلم " وما لنطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى " علمنا يقينا لا مجال للريب
فيه ، أنه لا ينقل أمرا ولا نهيا الا عن ربه تعالى ، فكان السكوت عن تسمية
الاحكام — صفحة 284
مساهمون: ابن حزم
ص٢٨٤