وقالوا : نرجح أحد الخبرين بأن يكون أحدهما يعضده قول الأئمة ، والآخر
يعضده قول غيرهم ، فيكون الذي أيده قول الأئمة أولى ، ومثلوا لذلك بالتكبير
في العيدين سبعا في الأولى ، وخمسا في الثانية ، وبما روي من طريق حذيفة
من تكبير ثلاث في الأولى قبل القراءة ، وأربع في الثانية بعد القراءة .
قال علي : وهذا لا معنى له ، لما قد أبطلناه في باب إبطال الاحتجاج بعمل
أهل المدينة من هذا الباب ، وبما قد أبطلناه من القول بالتقليد في باب التقليد
من هذا الكتاب ، وإنما أخذنا بتكبير سبع وخمس ، لأنه فعل في الخير زائد
وذكر لله تعالى ولأن الخبر المروي في ذلك لا بأس به .
وأما خبر حذيفة فليس يقوم بسنده حجة لما سنبينه في أمر موضعه من الكلام
في أشخاص الأحاديث إن شاء الله .
وقالوا : نرجح أحد الخبرين بأن يكون يميل إليه الأكثر من الناس .
قال علي : وهذا لا معنى له ، لما سنبينه في باب الاجماع من هذا الكتاب
إن شاء الله تعالى ، ولأن كثرة القائلين بالقول لا تصحح ما لم يكن صحيحا قبل
أن يقولوا به ، وقلة القائلين بالقول لا تبطل ما كان حقا قبل أن يقول به أحد ،
وقد بينا هذا جدا في باب إبطال قول من رجح الخبر بعمل أهل المدينة في آخر
هذا الباب ، وأيضا فإن القول قد يكثر القائلون به بعد أن كانوا قليلا ، ويقلون
بعد أن كانوا كثيرا ، فقد كان جميع أهل الأندلس على مذهب الأوزاعي رحمه الله ،
ثم رجعوا إلى مذهب مالك ، وقد كان جمهور أهل إفريقية ومصر على مذهب
أبي حنيفة ، وكذلك أهل العراق ، ثم غلب على إفريقية مذهب مالك ، وعلى مصر
والعراق مذهب الشافعي ، فيلزم على هذا أن القول إذا كثر قائلوه صار حقا ،
وإذا قلوا - كما ذكرنا - عاد باطلا ، وهذا هو الهذيان نفسه .
وقد احتج نصراني على مسلم بكثرة أهل القسطنطينية ، وأنهم لم يكونوا لتجتمع
تلك الاعداد على باطل ، وهذا لا يلزم لمن رجح الأقوال بالكثرة ، ونحن نبرأ إلى
الله تعالى من هذا القول ، بل الحق حق وإن لم يقل به أحد ، والباطل باطل ولو
اتفق عليه جميع أهل الأرض .
قال علي : ويكفي من كشف غمة من اغتر بالكثرة من أن نقول له : لا تغتر بكثرة من
الاحكام — صفحة 179
مساهمون: ابن حزم
ص١٧٩