القائمة بيننا الآن ، وإما أن تكون لهم لغة غير جميع هذا اللغات ، وإما أن
تكون لهم لغات شتى : لكن هذه المحاورة التي وصفها الله تعالى توجب القطع
بأنه يتفاهمون بلغة إما بالعربية المختلفة في القرآن عنهم ، أو بغيرها مما الله
تعالى أعلم به .
وقد ادعى بعضهم أن اللغة العربية هي لغتهم ، واحتج بقول الله عز وجل :
* ( دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ) * فقلت له : فقل إنها لغة أهل النار لقوله
تعالى عنهم أنهم قالوا : * ( وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون ) * ولأنهم قالوا
: * ( ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين ) * ولأنهم قالوا : * ( وقالوا لو كنا نسمع
أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ) * فقال لي : نعم ، فقلت له : فاقض أن موسى
وجميع الأنبياء عليهم السلام كانت لغتهم العربية ، لان كلامهم محكي في القرآن
عنهم بالعربية ، فإن قلت هذا كذبت ربك ، وكذبك ربك في قوله : * ( وما أرسلنا
من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم ) * فصح أن الله تعالى إنما يحكي لنا معاني
كلام كل قائل في لغته باللغة التي بها نتفاهم ، ليبين لنا عز وجل فقط ، وحروف
الهجاء واحدة لا تفاضل بينها ولا قبح ، ولا حسن في بعضها دون بعض ، وهي
تلك بأعيانها في كل لغة ، فبطلت هذه الدعاوي الزائغة الهجينة ، وبالله
تعالى التوفيق .
وقد أدى هذا الوسواس العامي ، اليهود إلى أن استجازوا الكذب والحلف
على الباطل بغير العبرانية ، وادعوا أن الملائكة الذين يرفعون الأعمال
لا يفهمون إلا العبرانية فلا يكتبون عليهم غيرها ، وفي هذا من السخف ما ترى
وعالم الخفيات وما في الضمائر عالم بكل لسان ومعانيه عز وجل لا إله إلا هو
وهو حسبنا ونعم الوكيل .
الاحكام — صفحة 33
مساهمون: ابن حزم
ص٣٣