والتقليد ، وثبت أن الخبر لا يعلم صحته بنفسه ، ولا يتميز حقه من كذبه ، وواجبه
من غير واجبه ، إلا بدليل من غيره ، فقد صح أن المرجوع إليه حجج العقول
وموجباتها ، وصح أن العقل إنما هو مميز بين صفات الأشياء الموجودات ،
وموقف للمستدل به على حقائق كيفيات الأمور الكائنات ، وتمييز المحال منها .
وأما من ادعى أن العقل يحلل أو يحرم ، أو أن العقل يوجد عللا موجبة
لكون ما أظهر الله الخالق تعالى في هذا العالم من جميع أفاعيله الموجود فيه
من الشرائع وغير الشرائع ، فهو بمنزلة من أبطل موجب العقل جملة . وهما طرفان
أحدهما أفرط فخرج عن حكم العقل ، والثاني قصر فخرج عن حكم العقل ، ومن
ادعى في العقل ما ليس فيه كمن أخرج منه ما فيه ، ولا فرق . ولا نعلم فرقة أبعد من
طريق العقل من هاتين الفرقتين معا ،
إحداهما : التي تبطل حجج العقل جملة . والثانية : التي تستدرك بعقولها على خالقها
عز وجل أشياء لم يحكم فيها ربهم بزعمهم ، فثقفوها هم ورتبوها رتبا أوجبوا أن
لا محيد لربهم تعالى عنها ، وأنه لا تجري أفعاله عز وجل إلا تحت قوانينها .
لقد افترى كلا الفريقين على الله عز وجل إفكا عظيما ، وأتوا بما تقشعر منه
جلود أهل العقول . وقد بينا أن حقيقة العقل إنما هي تمييز الأشياء المدركة
بالحواس وبالفهم ومعرفة صفاتها التي هي عليها جارية على ما هي عليه فقط من
إيجاب حدوث العالم ، وأن الخالق واحد لم يزل ، وصحة نبوة من قامت الدلائل على
نبوته ، ووجوب طاعة من توعدنا بالنار على معصيته ، والعمل بما صححه العقل من
ذلك كله ، وسائر ما هو في العالم موجود ، مما عدا الشرائع ، وأن يوقف على
كيفيات كل ذلك فقط . فأما أن يكون العقل يوجب أن يكون الخنزير حراما
أو حلالا ، أو يكون التيس حراما أو حلالا ، أو أن تكون صلاة الظهر
أربعا وصلاة المغرب ثلاثا أو أن يمسح على الرأس في الوضوء دون العنق ،
أو أن يحدث المرء من أسفله فيغسل أعلاه ، أو أن يتزوج أربعا ولا يتزوج
خمسا ، أو أن يقتل من زنى وهو محصن وإن عفي عنه زوج المرأة وأبوها ولا يقتل
قاتل النفس المحرمة عمدا إذا عفا عنه أولياء المقتول .
أو أن يكون الانسان ذا عينين دون أن يكون ذا ثلاثة أعين أو أربع ، أو أن تخص
الاحكام — صفحة 27
مساهمون: ابن حزم
ص٢٧