بقبول السنن من طرق الآحاد : إن الخبر إذا كان مما يعظم به البلوى لم يقبل فيه
خبر الواحد ، ومثل ذلك بعضهم بالآثار المروية في الأذان والإقامة ، وقال :
إن الأذان والإقامة كانا بالمدينة بحضرة الأئمة من الصحابة رضي الله عنهم خمس
مرات كل يوم ، فهذا مما تعظم به البلوى ، فمحال أن يعرف حكمه الواحد ، ويجهله
الجماعة ، ومثل ذلك بعضهم أيضا بخبر الوضوء من مس الذكر .
قال أبو محمد : وهذا كلام فاسد متناقض ، أول ذلك أن الدين كله تعظم به
البلوى ، ويلزم للناس معرفته ، وليس هذا ما وقع في الدهر مرة من أمر الطهارة والحج
أوجب في أنه فرض أو حرام مما يقع في كل يوم ، ولا يفرق بين ذلك إلا جاهل
أو من لا يبالي بما تكلم ، ويقال له في الاذان الذي ذكر : لا فرق بين أذان المؤذن
بالمدينة بحضرة عمر وعثمان رضي الله عنهما خمس مرات كل يوم ، وبين أذان
المؤذن بالكوفة بحضرة ابن مسعود وعلي خمس مرات كل يوم ، وليست نسبة
الرضا بتبديل الاذان إلى علي وابن مسعود بأخف من نسبة ذلك إلى عمر وعثمان
فبطل تمويه هذا الجاهل وبان تخليطه .
وكذلك الوضوء من مس الذكر ليست البلوى به بأعظم من البلوى بإيجاب
الوضوء من الرعاف والقلس ، وقد أوجبه الحنفيون بخبر ساقط ولم يعرفه
المالكيون ولا الشافعيون ، ولا البلوى أيضا بذلك أعظم من البلوى بإيجاب الوضوء
من المسة والقبلة للذة ، ومن إيجاب التدلك في الغسل وقد أوجبها المالكيون ،
ولا يعرف ذلك الحنفيون ، ومثل هذا كثير جدا ، فإن قالوا : أوجبنا ذلك
بالقرآن . قيل لهم : قد عرف القرآن غيركم كما عرفتموه ، فما رأوا فيه ما ذكرتم مع
عظيم البلوى به ، وقد بينا في كتابنا هذا أن مغيب السنة عمن غاب عنه من
صاحب أو غيره ليس حجة على من بلغته وإنما الحجة في السنة .
وقد غاب نسخ التطبيق في الركوع عن ابن مسعود وهو مما تعظم به البلوى به ،
الاحكام — صفحة 104
مساهمون: ابن حزم
ص١٠٤