فالأول نحو أن يكون كافرا أو فاسقا ، وذلك لأنا نجد التائب العائد إلى الصلاح بعد
أن عهد الناس منه السخف والمجون والفسق ، لا يقع أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر
عند الناس موقعهما ممن لم يعهدوه إلا على السداد والصلاح .
والثاني نحو أن يكون حجاما أو حائكا أو محترفا بحرفة يقذرها الناس ويستخفون
بصاحبها ، إلا أن يكون المبعوث إليهم على خلاف ما هو المعهود الآن ، بألا يكون من
تعاطى ذلك مستهانا به عندهم .
ووافق أصحابنا في هذا القوم جمهور المتكلمين .
وقال قوم من الخوارج : يجوز أن يبعث الله تعالى من كان كافرا قبل الرسالة ، وهو
قول ابن فورك ( 1 ) من الأشعرية ، لكنه زعم أن هذا الجائز لم يقع .
وقال قوم من الحشوية : قد كان محمد صلى الله عليه وآله كافرا قبل البعثة ، واحتجوا
بقوله تعالى : ( ووجدك ضالا فهدى ) ( 2 ) وقال برغوث المتكلم ، وهو أحد النجارية ( 3 ) :
لم يكن النبي صلى الله عليه وآله مؤمنا بالله قبل أن يبعثه ، لأنه تعالى قال له : ( ما كنت تدرى
ما الكتاب ولا الايمان ) ( 4 ) .
وروى عن السدى في قوله تعالى : ( ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ) ( 5 ) ،
قال : وزره الشرك ، فإنه كان على دين قومه أربعين سنة .
وقال بعض الكرامية ( 6 ) في قوله تعالى حكاية عن إبراهيم صلى الله عليه وآله ،
هامش
( 1 ) هو أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك ، الأديب المتكلم الواعظ ، ترجم له ابن عساكر في كتابه
تبيين كذب المفتري ص 223 ، 233 .
( 2 ) سورة الضحى 6
( 3 ) النجارية أصحاب الحسين بن محمد النجار ، ومحمد بن عيسى الملقب برغوث من رجالهم ، وانظر
الشهرستاني 1 : 81 ، 82
( 4 ) سورة الشورى 52
( 5 ) سورة الشرح 2 .
( 6 ) الكرامية ، أصحاب أبي عبد الله محمد بن كرام ، وانظر تفصيل آرائهم في الشهرستاني
1 : 99 - 140 .