أو قحط عام ، أو مطر دائم ، ونحو ذلك من الأمور التي لا تخص إنسانا بعينه ، وقد قدمنا
في ذلك الفصل ما يدل على تصويب هذا الرأي ، وإفساد ما عداه .
* * *
الأصل :
ومنها في صفة الملائكة :
ثم خلق سبحانه لإسكان سماواته ، وعمارة الصفيح الأعلى من ملكوته ،
خلقا بديعا من ملائكته ، وملأ بهم فروج فجاجها ، وحشى بهم فتوق أجوائها ،
وبين فجوات تلك الفروج زجل المسبحين منهم في حظائر القدس ، وسترات
الحجب ، وسرادقات المجد ، ووراء ذلك الرجيج الذي تستك منه الاسماع سبحات
نور تردع الابصار عن بلوغها ، فتقف خاسئة على حدودها .
وأنشأهم على صور مختلفات ، وأقدار متفاوتات ، أولى أجنحة تسبح جلال
عزته ، لا ينتحلون ما ظهر في الخلق من صنعه ، ولا يدعون أنهم يخلقون شيئا معه
مما انفرد به ، بل عباد مكرمون ، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون . جعلهم
الله فيما هنالك أهل الأمانة على وحيه ، وحملهم إلى المرسلين ودائع أمره ونهيه ،
وعصمهم من ريب الشبهات ، فما منهم زائغ عن سبيل مرضاته .
وأمدهم بفوائد المعونة ، وأشعر قلوبهم تواضع إخبات السكينة ، وفتح لهم
أبوابا ذللا إلى تماجيده ، ونصب لهم منارا واضحة على أعلام توحيده ، لم تثقلهم
مؤصرات الآثام ، ولم ترتحلهم عقب الليالي والأيام ، ولم ترم الشكوك بنوازعها
عزيمة إيمانهم ، ولم تعترك الظنون على معاقد يقينهم ، ولا قدحت قادحة الإحن فيما
بينهم ، ولا سلبتهم الحيرة ما لاق من معرفته بضمائرهم ، وما سكن من عظمته
شرح نهج البلاغة — صفحة 423
مساهمون: ابن أبي الحديد
ص٤٢٣