قال : ووجه الحجاج إلى المهلب رجلين يستحثانه لمناجزة القوم : أحدهما يقال له زياد
ابن عبد الرحمن ، من بنى عامر بن صعصعة ، والاخر من آل أبي عقيل من رهط الحجاج ،
فضم المهلب زيادا إلى ابنه حبيب ، وضم الثقفي إلى ابنه يزيد ، وقال لهما : خذا يزيد
وحبيبا بالمناجزة ، وغادوا الخوارج . فاقتتلوا أشد قتال ، فقتل زياد بن عبد الرحمن
العامري ، وفقد الثقفي . ثم باكروهم في اليوم الثاني ، وقد وجد الثقفي ، فدعا به المهلب ،
ودعا بالغداء ، فجعل النبل يقع قريبا منهم ويتجاوزهم ، والثقفي يعجب من أمر المهلب ،
فقال الصلتان العبدي :
ألا يا اصبحاني قبل عوق العوائق ( 1 ) * وقبل اختراط القوم مثل العقائق ( 2 )
غداة حبيب في الحديد يقودنا * يخوض المنايا في ظلال الخوافق
حرون إذا ما الحرب طار شرارها ( 3 ) * وهاج عجاج النقع فوق المفارق ( 4 )
فمن مبلغ الحجاج أن أمينه * زيادا أطاحته رماح الأزارق !
فلم يزل عتاب بن ورقاء مع المهلب ثمانية أشهر حتى ظهر شبيب بن يزيد ، فكتب
الحجاج إلى عتاب يأمره بالمصير إليه ليوجهه إلى شبيب ، وكتب إلى المهلب يأمره أن
يرزق الجند ، فرزق أهل البصرة ، وأبى أن يرزق أهل الكوفة ، فقال له عتاب :
ما أنا ببارح حتى ترزق أهل الكوفة ، فأبى ، فجرت بينهما غلظة ، فقال له عتاب : قد كان
يبلغني أنك شجاع ، فرأيتك جبانا ، وكان يبلغني أنك جواد ، فرأيتك بخيلا . فقال له
المهلب : يا بن اللخناء ، فقال له عتاب : لكنك معم مخول !
هامش
( 1 ) اصبحاني ، من صبحه إذا سقاه صبوحا من خمر أولين . والعوائق : جمع عائقة ، وهي كل ما صرفك
عما تريد .
( 2 ) في الكامل : ( قوله : وقبل اختراط القوم مثل العقائق ، يعنى السيوف ، والعقائق : جمع عقيقة ،
يقال : سيف كأنه عقيقة برق ، أي كأنه لمعة برق ، ويقال : انعق البرق إذا تبسم ) .
( 3 ) حرون ، لقب حبيب ، لأنه كان يحرن في الحرب فلا يبرح ، وذلك مستعر من قولهم : فرس حرون
لا ينقاد ، وانظر رغبة الامل 4 : 88 .
( 4 ) الكامل : ( البوارق ) ، والبوارق : السيوف .