إني قد رجوت ( 1 ) الفتح فلا تعجلني ، فرجع يزيد بن هانئ إلى علي عليه السلام فأخبره ،
فما هو إلا أن انتهى إلينا حتى ارتفع الرهج ، وعلت الأصوات من قبل الأشتر ، وظهرت
دلائل الفتح والنصر لأهل العراق ، ودلائل الخذلان والادبار على أهل الشام ، فقال القوم
لعلي : والله ما نراك أمرته إلا بالقتال ! قال : أرأيتموني ساررت ( 2 ) رسولي إليه ! أليس
إنما كلمته على رءوسكم علانية وأنتم تسمعون ! قالوا : فابعث إليه فليأتك ، وإلا فوالله
اعتزلناك ! فقال : ويحك يا يزيد ! قل له : أقبل إلى ، فإن الفتنة قد وقعت . فأتاه فأخبره ،
فقال الأشتر : أبرفع ( 3 ) هذه المصاحف ؟ قال : نعم ، قال : أما والله لقد ظننت أنها حين
رفعت ستوقع خلافا وفرقة ، إنها مشورة ابن النابغة ( 4 ) ! ثم قال ليزيد بن هانئ :
ويحك ! ألا ترى إلى الفتح ! ألا ترى إلى ما يلقون ! ألا ترى الذي يصنع الله لنا ؟
أينبغي أن ندع هذا وننصرف عنه ! فقال له يزيد : أتحب أنك ظفرت هاهنا وأن
أمير المؤمنين بمكانه الذي هو فيه يفرج عنه ، ويسلم إلى عدوه ! قال : سبحان الله ! لا والله
لا أحب ذلك ، قال : فإنهم قد قالوا له ، وحلفوا عليه ، لترسلن إلى الأشتر فليأتينك ،
أو لنقتلنك بأسيافنا ، كما قتلنا عثمان ، أو لنسلمنك إلى عدوك .
فأقبل الأشتر حتى انتهى إليهم ، فصاح : يا أهل الذل والوهن ، أحين علوتم القوم ،
وظنوا أنكم لهم قاهرون ، رفعوا ( 5 ) المصاحف يدعونكم إلى ما فيها ! وقد والله تركوا
ما أمر الله به فيها ، وتركوا سنة من أنزلت عليه ، فلا تجيبوهم ! أمهلوني فواقا ( 6 ) فإني
هامش
( 1 ) كتاب صفين : " إني قد رجوت الله أن يفتح لي " .
( 2 ) ب : " شاورت " ، وصوابه من أ ، ج ، وكتاب صفين .
( 3 ) كتاب صفين : " ألرفع " .
( 4 ) كتاب صفين : " يعني عمرو بن العاص " .
( 5 ) كذا في الأصول وتاريخ الطبري 6 : 27 ، وفي كتاب صفين : " ورفعوا " .
( 6 ) الفواق : ما بين الحلبتين ، يقال : انتظرتك فواق ناقة .