وقوله : " حتى ارتاب الناصح بنصحه ، وضن الزند بقدحه " ، يشير إلى نفسه ، يقول :
خالفتموني حتى ظننت أن النصح الذي نصحتكم به غير نصح ، ولإطباقكم وإجماعكم على
خلافي ، وهذا حق ، لان ذا الرأي الصواب إذا كثر مخالفوه يشك في نفسه ، وأما ضن
الزند بقدحه ، فمعناه أنه لم يقدح لي بعد ذلك رأي صالح ، لشدة ما لقيت منكم من الاباء
والخلاف والعصيان ، وهذا أيضا حق ، لان المشير الناصح إذا اتهم واستغش عمي قلبه
وفسد رأيه .
وأخو هوازن صاحب الشعر هو دريد بن الصمة ، والأبيات مذكورة في الحماسة ،
وأولها :
نصحت لعارض وأصحاب عارض * ورهط بني السوداء والقوم شهدي ( 1 )
فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج * سراتهم في الفارسي المسرد ( 2 )
أمرتهم أمري بمنعرج اللوى * فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد ( 3 )
فلما عصوني كنت منهم وقد أرى * غوايتهم وأنني غير مهتد
وما أنا إلا من غزية إن غوت * غويت وإن ترشد غزية أرشد ( 4 ) .
هامش
( 1 ) ديوان الحماسة - بشرح المرزوقي ( 2 : 813 ) . وكان من خبر هذا الشعر أن عبد الله - وهو اسم
آخر لعارض وهو أخو دريد - كان أسود إخوته ، فغزا ببني جشم وبني نصر ابني معاوية بن بكر بن
هوازن ، وغنم مالا عظيما بمنعرج اللوى ، فمنعه دريد عن الليث ، وقال : إن غطفان ليست بغافلة عنا ،
فحلف أنه لا يريم حتى يقسم ، وأوقعوا بعبد الله وأصحابه ، وقتل عبد الله ، وجعل دريد يذب عنه وهو
جريح . شرح التبريزي ( 2 : 304 ) .
( 2 ) ظنوا : قال المرزوقي : يجوز أن يكون معناه : ظنوا كل ظن قبيح بهم إذا غزوكم في أرضكم
وعقر دياركم . ويجوز أن يكون معنى ظنوا أيقنوا ، لان الظن يستعمل في اليقين ، على حد قوله تعالى :
" الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم " . والمدجج : التام السلاح ، من الدجة ، وهي الظلمة .
وسراتهم : خيارهم ، وعنى بالفارسي المسرد ، الدروع .
( 3 ) في الحماسة ذكر هذا البيت بعد تاليه .
( 4 ) في الحماسة : " وهل أنا إلا من غزية رهطه .