ويمكن أن تكون الرواية صحيحة ، والخطاب عام لكل من أمكن من نفسه ، فلا
منافاة بينهما .
وقد نظمت أنا هذه الألفاظ في أبيات كتبتها إلى صاحب لي في ضمن مكتوب
اقتضاها ، وهي :
إن امرأ أمكن من نفسه * عدوه يجدع آرابه ( 1 )
لا يدفع الضيم ولا ينكر الذل * ولا يحصن جلبابه
لفائل الرأي ضعيف القوى * قد صرم الخذلان أسبابه
أنت فكن ذاك فإني امرؤ * لا يرهب الخطب إذا نابه
إن قال دهر لم يطع أو شحا * له فم أدرد أنيابه ( 2 )
أو سامه الخسف لابن أبي وانتضى * دون مرام الخسف قرضا به ( 3 )
أخزر غضبان شديد السطا * يقدر أن يترك ما رابه .
خطب أمير المؤمنين عليه السلام بهذه الخطبة ، بعد فراغه من أمر الخوارج ، وقد
كان قام بالنهروان ، فحمد الله وأثنى عليه ، وقال : أما بعد ، فإن الله قد أحسن نصركم ، فتوجهوا من فوركم هذا إلى عدوكم من
أهل الشام .
فقاموا إليه ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ، نفدت نبالنا ، وكلت سيوفنا ، وانصلتت ( 4 )
أسنة رماحنا ، وعاد أكثرها قصدا ( 5 ) . ارجع بنا إلى مصرنا ، نستعد بأحسن عدتنا ، ولعل
أمير المؤمنين يزيد في عددنا مثل من هلك منا ، فإنه أقوى لنا على عدونا .
هامش
( 1 ) آرابه : جمع إرب ، وهو العضو .
( 2 ) شحا فاه : فتحة . والدرد : سقوط الأسنان .
( 3 ) القرضاب : السيف .
( 4 ) انصلتت : انجردت .
( 5 ) قصد : جمع قصدة ، وهي الكرة من القناة أو الرمح .