ثم أمره بأن يترك ما فيه شبهة إلى ما لا شبهة فيه ، وسمى ذلك قضما ومقضما وإن كان
مما لا يقضم لاحتقاره له ، وازدرائه إياه ، وأنه عنده ليس مما يستحق أن يسمى بأسماء
المرغوب فيه ، المتنافس عليه ، وذلك لان القضم يطلق على معنيين : أحدهما على أكل
الشئ اليابس ، والثاني على ما يؤكل ببعض الفم ، وكلاهما يدلان على أن ذلك المقضم
المرغوب عنه ، لا فيه .
ثم ذكر ع حال نفسه فقال : ( إن إمامكم قد قنع من الدنيا بطمريه ) ،
والطمر الثوب الخلق البالي ، وإنما جعلهما اثنين لأنهما إزار ورداء لا بد منهما ،
أي للجسد والرأس .
قال : ( ومن طعمه بقرصيه ) ) ، أي قرصان يفطر عليهما لا ثالث لهما . وروى :
( قد اكتفى من الدنيا بطمريه ، وسد فورة جوعه بقرصيه ، لا يطعم الفلذة في حوليه
إلا في يوم أضحيه ) .
ثم قال : إنكم لن تقدروا على ما أقدر عليه ، ولكني أسألكم أن تعينوني بالورع
والاجتهاد .
ثم أقسم أنه ما كنز ذهبا ، ولا أدخر مالا ، ولا أعد ثوبا باليا سملا لبالي ثوبيه ،
فضلا عن أن يعد ثوبا قشيبا كما يفعله الناس في إعداد ثوب جديد ليلبسوه عوض الأسمال
التي ينزعونها ، ولا حاز من أرضها شبرا ، والضمير في ( أرضها ) يرجع إلى ( دنياكم ) ،
ولا أخذ منها إلا كقوت أتان دبرة ، وهي التي عقر ظهرها فقل أكلها .
ثم قال : ( ولهي في عيني أهون من عفصة مقرة ) ، أي مرة ، مقر الشئ بالكسر
أي صار مرا ، وأمقره بالهمز أيضا قال لبيد :
ممقر مر على أعدائه * وعلى الأدنين حلو كالعسل ( 1 )
هامش
( 1 ) ديوانه 197 .