وروى محمد بن إسحاق ( 1 ) قال : لما ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله زيدا
وجعفرا سكت عن عبد الله بن رواحة حتى تغيرت وجوه الأنصار ، وظنوا أنه قد كان
من عبد الله بعض ما يكرهون ، ثم قال : أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل
شهيدا ، ثم قال : لقد رفعوا لي في الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب فرأيت في
سرير ابن رواحه ازورارا عن سريري صاحبيه ، فقلت لم هذا ؟ فقيل لأنهما مضيا ،
وتردد هذا بعض التردد ، ثم مضى .
قال : وروى محمد بن إسحاق أنه لما أخذ جعفر بن أبي طالب الراية قاتل قتالا
شديدا حتى إذا لحمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها ، ثم قاتل القوم حتى
قتل ( 2 ) ، فكان جعفر رضي الله عنه أول رجل عقر فرسه في الاسلام .
قال محمد بن إسحاق : ولما أخذ ابن رواحة الراية جعل يتردد بعض التردد ،
ويستقدم نفسه يستنزلها ( 3 ) ، وقال :
أقسمت يا نفس لتنزلنه * طوعا وإلا سوف تكرهنه
ما لي أراك تكرهين الجنة * إذ أجلب الناس وشدوا الرنة ( 4 )
قد طالما قد كنت مطمئنة * هل أنت إلا نطفة في شنه . ( 5 )
ثم ارتجز أيضا فقال :
يا نفس إلا تقتلي تموتي * هذا حمام الموت قد صليت
هامش
( 1 ) سيرة ابن هشام 3 : 436 .
( 2 ) بعدها في ابن هشام 3 : 434 ، وهو يقول :
يا حبذا الجنة واقترابها * طيبة وباردا شرابها
والروم روم قد دنا عذابها * كافرة بعيدة أنسابها
* علي إذ لاقيتها ضرابها *
( 3 ) ابن هشام : " يستنزل نفسه " .
( 4 ) أجلب الناس : اختلطت أصواتهم وضجوا .
( 5 ) النطفة : القليل من الماء الصافي . والشنة : القربة الخلق .