وَلَاأَخَذْتُ مِنْهُ إِلَّا كَقُوتِ أَتانٍ دَبِرَةٍ ، وَلَهِيَ فِي عَيْنِي أَوْهَى وَأَهْوَنُ مِنْ عَفْصَةٍ مَقِرَةٍ .
بَلى ! كَانَتْ فِي أَيْدِينَا فَدَكمِنْ كُلِّ مَا أَظَلَّتْهُ السَّمَاءُ ، فَشَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ ، وَسَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ آخَرِينَ ، وَنِعْمَ الْحَكَمُ اللَّهُ . وَمَا أَصْنَعُ بِفَدَكوَغَيْرِ فَدَكٍ ، وَالنَّفْسُ مَظَانُّهَا فِي غَدٍ جَدَثٌ تَنْقَطِعُ فِي ظُلْمَتِهِ آثَارُهَا ، وَتَغِيبُ أَخْبَارُهَا ، وَحُفْرَةٌ لَوْ زِيدَ في فُسْحَتِهَا ، وَأَوْسَعَتْ يَدَا حَافِرِهَا ، لَأَضْغَطَهَا الْحَجَرُ وَالْمَدَرُ ، وَسَدَّ فُرَجَهَا التُّرَابُ الْمُتَراكِمُ ؛ وَإِنَّما هِي نَفْسِي أَرُوْضُهَا بِالتَّقْوَى لِتَأْتِيَ آمِنَةً يَوْمَ الْخَوْفِ الْأَكْبَرِ ، وَتَثْبُتَ عَلَى جَوَانِبِ الْمَزْلَقِ .
وَلَوْ شِئْتُ لَاهْتَدَيْتُ الطَّرِيقَ إِلَى مُصفَّى هذَا الْعَسَلِ وَلُبَابِ هذَا الْقَمْحِ ، وَنَسَائِجِ هذا الْقَزِّ . وَلَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ ، وَيَقُودَنِي جَشَعِي إِلَى تَخَيُّرِ الْأَطْعِمَةِ - وَلَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوِ الَيمَامَةِ مَنْ لَاطَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْصِ ، وَلَاعَهْدَ لَهُ بِالشِّبَعِ - أَوْ أَبِيتَ مِبْطَانَاً وَحَوْلِي بُطُوْنٌ غَرْثَى ، وَأَكْبَادٌ حَرَّى ، أَوْ أَكُوْنَ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ :
وَحَسْبُكَ دَاءً أَنْ تَبِيتَ بِبِطْنَةٍ * وَحَوْلَكَ أَكْبَادٌ تَحِنُّ إِلَى الْقِدِّ !
أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ : هذَا أَمِيْرُ الْمُؤْمِنِيْنَ ، وَلَاأُشَارِكُهُمْ فِي مَكارِهِ الدَّهْرِ ، أَوْ أَكُوْنَ أُسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوْبَةِ الْعَيْشِ ! فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ ، كَالْبَهِيمَةِ الْمَرْبُوطَةِ ، هَمُّهَا عَلَفُهَا ؛ أَوِ الْمُرْسَلَةِ شُغْلُهَا تَقَمُّمُهَا ، تَكْتَرِشُ مِنْ أَعْلَافِهَا ، تَلْهُو عَمَّا يُرادُ بِهَا ، أَوْ أُتْرَك سُدًى وَأُهْمَلَ عَابِثَاً ، أَوْ أَجُرَّ حَبْلَ الضَّلَالَةِ ، أَوْ أَعْتَسِفَ طَرِيْقَ الْمَتَاهَةِ !
وَكَأَنِّي بِقَائِلِكُمْ يَقُوْلُ :