وَعَزِيزُهَا مَغْلُوبٌ ، وَمَوْفُورُهَا مَنْكُوبٌ . وَجَارُهَا مَحْرُوبٌ . أَلَسْتُمْ فِي مَسَاكِنِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَطْوَلَ أَعْمَاراً ، وَأَبْقَى آثَاراً ، وَأَبْعَدَ آمَالًا ، وَأَعَدَّ عَدِيداً ، وَأَكْثَفَ جُنُوداً ! تَعَبَّدُوا لِلدُّنْيَا أَيَّ تَعَبُّدٍ ، وَآثَرُوهَا أَيَّ إِيثَارٍ . ثُمَّ ظَعَنُوا عَنْهَا بِغَيْرِ زَادٍ مُبَلّغٍ وَلَا ظَهْرٍ قَاطِعٍ . فَهَلْ بَلَغَكُمْ أَنَّ الدُّنْيَا سَخَتْ لَهُمْ نَفْساً بِفِدْيَةٍ ، أَوْ أَعَانَتْهُمْ بِمَعُونَةٍ ، أَوْ أَحْسَنَتْ لَهُمْ صُحْبَةً ! بَلْ أَرْهَقَتْهُمْ بِالْقَوَادِحِ ، وَأَوْهَنَتْهُمْ بِالْقَوَارِعِ ، وَضَعْضَعَتْهُمْ بِالنَّوَائِبِ ، وَعَفَّرَتْهُمْ لِلْمَنَاخِرِ ، وَوَطِئَتْهُمْ بِالْمَنَاسِمِ ، وَأَعَانَتْ عَلَيْهِمْ « رَيْبَ الْمَنُونِ » . فَقَدْ رَأَيْتُمْ تَنَكُّرَهَا لِمَنْ دَانَ لَهَا ، وَآثَرَهَا وَأَخْلَدَ الَيْهَا ، حِينَ ظَعَنُوا عَنْهَا لِفِرَاقِ الْأَبَدِ . وَهَلْ زَوَّدَتْهُمْ إِلَّا السَّغَبَ ، أَوْ أَحَلَّتْهُمْ إِلَّا الضَّنْكَ ، أَوْ نَوَّرَتْ لَهُمْ إِلَّا الظُّلْمَةَ ، أَوْ أَعْقَبَتْهُمْ إِلَّا النَّدَامَةَ ! أَفَهذِهِ تُؤْثِرُونَ ، أَمْ إِلَيْهَا تَطْمَئِنُّونَ ؟ أَمْ عَلَيْهَا تَحْرِصُونَ ؟ فَبِئْسَتِ الدَّارُ لِمَنْ لَمْ يَتَّهِمْهَا ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا عَلَى وَجَلٍ مِنْهَا ! فَاعْلَمُوا - وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ - بِأَنَّكُمْ تَارِكُوهَا وَظَاعِنُونَ عَنْهَا . وَاتَّعِظُوا فِيهَا بِالَّذِيْنَ قَالُوا : « مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً » . حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ فَلا يُدْعَوْنَ رُكْبَاناً ، وَأُنْزِلُوا الْأَجْدَاثَ فَلَا يُدْعَوْنَ ضِيفَاناً . وَجُعِلَ لَهُمْ مِنَ الصَّفِيحِ أَجْنَانٌ ، وَمِنْ التُّرَابِ أَكْفَانٌ ، وَمِنْ الرُّفَاتِ جِيرانٌ ، فَهُمْ جِيرَةٌ لَايُجِيبُونَ دَاعِياً ، وَلَا يَمْنَعُونَ ضَيْماً ، وَلَا يُبَالُونَ مَنْدَبَةً . إِنْ جِيدُوا لَمْ يَفْرَحُوا ، وَإِنْ قُحِطُوا لَمْ يَقْنَطُوا . جَمِيعٌ وَهُمْ آحَادٌ ، وَجِيرَةٌ وَهُمْ أَبْعَادٌ . مُتَدَانُونَ لَا يَتَزَاوَرُونَ ، وَقَرِيبُونَ لَايَتَقَارَبُونَ . حُلَمَاءُ قَدْ ذَهَبَتْ أَضْغَانُهُمْ . وَجُهَلَاءُ قَدْ مَاتَت أَحْقَادُهُمْ ، لَا يُخْشَى فَجْعُهُمْ ، وَلَايُرْجَى دَفْعُهُمْ ، اسْتَبْدَلُوا بِظَهْرِ الْأَرْضِ بَطْنَاً ، وَبِالسَّعَةِ ضِيقاً ، وَبِالْأَهْلِ غُرْبَةً ، وَبِالنُّورِ ظُلْمَةً . فَجَاءُوهَا كَمَا فَارَقُوهَا ، حُفَاةً عُرَاةً ، قَدْ ظَعَنُوا عَنْهَا بأَعْمَالِهِمْ إِلَى الْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ وَالدَّارِ الْبَاقيَةِ ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : « كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ » .
نهج البلاغة با ترجمه فارسى روان ( فارسى ) — صفحة 244
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٤٤