رأيناها راجعة الا رأينا معها مثل ذلك ، وان كنا لا نفصل في مرأى العين بينها وبين
أخواتها ، فإنه ليس يقع في القلب غير الذي ، قلنا فدلنا ذلك على أنها في رجوعها عن
الجرادة انها إنما كانت لأشباهها كالرائد الذي لا يكذب أهله .
قال أبو عثمان ولا ينكر قولنا إن الذرة توحي إلى أخواتها بما أشرنا إليه
الا من يكذب القرآن ، فإنه تعالى قال في قصة سليمان ( قالت نملة يا أيها النمل
ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون * فتبسم
ضاحكا من قولها ) ( 1 ) فهل بعد هذا ريب أو شك في إن لها قولا وبيانا وتمييزا .
فان قلت فلعلها مكلفة ، ومأمورة ومنهية ، ومطيعة وعاصية
قيل هذا سؤال جاهل ، وذلك أنه لا يلزم أن يكون كل ذي حس ، وتمييز
مكلفا مأمورا منهيا ، مطيعا عاصيا ، لان الانسان غير البالغ الحلم قد يحفظ القرآن وكثيرا
من الآثار ، وضروبا من الاخبار ، ويشترى ويبيع ، ويخدع الرجال ويسخر بالمعلمين ،
وهو غير مكلف ولا مأمور ، ولا منهي ولا عاص ولا مطيع ، فلا يلزم مما قلناه في الذرة
أن تكون مكلفة ( 2 ) .
قال أبو عثمان ومن عجيب ما سمعته من أمر النملة ، ما حدثني به بعض المهندسين
عن رجل معروف بصنعة الأسطرلابات ( 3 ) ، انه أخرج طوقا من صفر - أو قال من
حديد - من الكير ، وقد أحماه ، فرمى به على الأرض ليبرد ، فاشتمل الطوق على نملة ،
فأرادت أن تنفر يمنة فلقيها وهج النار ، فأخذت يسر فلقيها وهج النار ، فمضت قدما
فكذاك ، فرجعت إلى خلفها فكذلك ، فرجعت إلى وسط الدائرة ، فوجدها قد ماتت
في موضع رجل البركار ( 4 ) من الدائرة ، وهذا من العجائب .
قال أبو عثمان وحدثني أبو عبيد الله الأفوه ، وما كنت أقدم عليه في زمانه من مشايخ
هامش
( 1 ) سورة النمل 18 ، 19 .
( 2 ) الحيوان 4 : 5 وما بعدها .
( 3 ) الأسطرلابات : جمع أسطرلاب ، وهي آلة يعرف بها الوقت ، انظر شفاء الغليل للخفاجي : 51 .
( 4 ) البركار : اسم لالة معروفة . قال صاحب شفاء الغليل : هو معرب ( فرجار ) . وقال : إنه لم يرد في شعر قديم .