الشرح :
الذي عليه أكثر الأدباء والمتكلمين أن الحمد والمدح أخوان ، لا فرق بينهما ،
تقول : حمدت زيدا على أنعامه ، ومدحته على أنعامه ، وحمدته على شجاعته ، ومدحته على
شجاعته ، فهما سواء يدخلان فيما كان من فعل الانسان ، وفيما ليس من فعله ، كما ذكرناه
من المثالين ، فأما الشكر فأخص من المدح ، لأنه لا يكون إلا على النعمة خاصة ،
ولا يكون إلا صادرا من منعم عليه ، فلا يجوز عندهم أن يقال : شكر زيد عمرا لنعمة
أنعمها عمرو على إنسان غير زيد .
إن قيل : الاستعمال خلاف ذلك ، لأنهم يقولون : حضرنا عند فلان فوجدناه يشكر
الأمير على معروفه عند زيد . قيل : ذلك إنما يصح إذا كان إنعام الأمير على زيد أوجب
سرور فلان ، فيكون شكر إنعام الأمير على زيد شكرا على السرور الداخل على قلبه
بالإنعام على زيد ، وتكون لفظة " زيد " التي استعيرت ظاهرا لاستناد الشكر إلى
مسماها كناية لا حقيقة ، ويكون ذلك الشكر شكرا باعتبار السرور المذكور ، ومدحا
باعتبار آخر ، وهو المناداة على ذلك الجميل والثناء الواقع بجنسه .
ثم إن هؤلاء المتكلمين الذين حكينا قولهم يزعمون أن الحمد والمدح والشكر
لا يكون إلا باللسان مع انطواء القلب على الثناء والتعظيم ، فإن استعمل شئ من ذلك في
الافعال بالجوارح كان مجازا . وبقي البحث عن اشتراطهم مطابقة القلب للسان ، فإن
الاستعمال لا يساعدهم ، لان أهل الاصطلاح يقولون لمن مدح غيره ، أو شكره رياء وسمعه :
إنه قد مدحه وشكره وإن كان منافقا عندهم . ونظير هذا الموضع الايمان ، فإن أكثر
المتكلمين لا يطلقونه على مجرد النطق اللساني ، بل يشترطون فيه الاعتقاد القلبي ، فأما
شرح نهج البلاغة — صفحة 58
مساهمون: ابن أبي الحديد
ص٥٨