وأما قوله : " قد كانت أمور لم تكونوا عندي فيها محمودين " ، فمراده أمر عثمان
وتقديمه في الخلافة عليه . ومن الناس من يحمل ذلك على خلافة الشيخين أيضا . ويبعد
عندي أن يكون أراده ، لان المدة قد كانت طالت ، ولم يبق من يعاتبه ليقول : قد
كانت أمور لم تكونوا عندي فيها محمودين ، فإن هذا الكلام يشعر بمعاتبة قوم على أمر
كان أنكره منهم . وأما بيعة عثمان ، ثم ما جرى بينه وبين عثمان من منازعات طويلة ،
وغضب تارة ، وصلح أخرى ، ومراسلات خشنة ولطيفة ، وكون الناس بالمدينة كانوا
حزبين وفئتين : إحداهما معه عليه السلام ، والأخرى مع عثمان ، فإن ( 1 ) صرف الكلام إلى
ما قلناه بهذا الاعتبار أليق .
ولسنا نمنع من أن يكون في كلامه عليه السلام الكثير من التوجد والتألم لصرف
الخلافة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله عنه ، وإنما كلامنا الآن في هذه اللفظات التي
في هذه الخطبة ، على أن قوله عليه السلام : " سبق الرجلان " والاقتصار على ذلك فيه كفاية
في انحرافه عنهما .
وأما قوله : " حق وباطل " إلى آخر الفصل ، فمعناه كل أمر فهو إما حق ،
وإما باطل ، ولكل واحد من هذين أهل ، وما زال أهل الباطل أكثر من أهل
الحق ، ولئن كان الحق قليلا فربما كثر ، ولعله ينتصر أهله .
ثم قال على سبيل التضجر بنفسه : " وقلما أدبر شئ فأقبل " ، استبعد عليه السلام
أن تعود دولة قوم بعد زوالها عنهم ، وإلى هذا المعنى ذهب الشاعر في قوله :
وقالوا يعود الماء في النهر بعد ما * ذوي نبت جنبيه وجف المشارع
فقلت إلى أن يرجع النهر جاريا * ويعشب جنباه يموت الضفادع
هامش
( 1 ) ا : " وإن " .