هذا ، مع أنّ في الأصوات المطربة ما يلهي المبتلى بشهوات الدنيا عنها ، ويكفّه عن ملاهيها وملاذّها ، ويشوّقه إلى الملإ الأعلى والدرجات العلى ، فكيف يسمّى مثل هذا الصوت لهوا أو لهويّا أو مزمارا للشيطان صادّا عن عبادة الرحمن ؟ وقد حكي أنّ بعض ( 1 ) العارفين قد هيّئ له ليلة طعام ، فلمّا وضع بين يديه إذ سمع مغنّيا يغنّي بهذا البيت :
فصاح صيحة وخرّ مغشيّا عليه ( 2 ) . وحكي أيضا : أنّ بعضهم سمع في مجلس مغنّيا يغنّي بهذا البيت :
فقام وتواجد وهام على وجهه ، فوقع في أجمة قصب قد قطع وبقيت أصوله مثل السيوف فصار يعدو فيها ويعيد البيت إلى الغداة ، والدم يخرج من رجليه حتى ورمت قدماه وساقاه ، وعاش بعد ذلك أيّاما ومات ( 3 ) . وحكاياتهم في هذا الباب كثيرة . وقد قال بعضهم ( 4 ) : إنّ السماع وارد حقّ ، جاء يزعج القلوب إلى الحقّ ، فمن أصغى إليه بحقّ تحقّق ، ومن أصغى إليه بنفس تزندق ( 5 ) . وقال بعضهم : السماع غذاء الأرواح لأهل المعرفة ( 6 ) . وقال بعضهم : كما أنّ الفكر يطرق العلم إلى المعلوم فالسماع يطرق