غايته المطلوبة ، وهو بهذه الحركة مكتسب للكمال ، والإنسان أيضاً بجميع مراتبه المذكورة متحرّك إلى غاية مطلوبة ، والأفعال منه على اختلافها من شؤون هذه الحركة ، وهذا لا ينافي كونها داخلة في حَيِّز القدرة والاختيار . ألا ترى إذا وجد له طريقان : أحدهما مأموناً والآخر مخوفاً له أن يجعل سلوكه في أيّ طريقٍ شاء .
وإذ قد تبين ذلك ، فنقول : فقد علم من دين الله تعالى بالضرورة أنّ للإنسان طريقين : الصواب والحقّ الذي يستطرق به إلى الله . والضّلال المُبْعد عن الحقّ الذي يسلك به إلى الشيطان ، وحيث إنّه مختار في سلوكه فله أن يجعل السلوك في أيّ طريق شاء ، ومن هنا جاء الاختلاف في الأفعال ، منها : ما يستطرق به إلى الصواب . ومنها ما يسلك به إلى الضلال . والأوّل هو الموضوع للوجوب والاستحباب والإباحة ، والثاني للحرمة والكراهة . والاستطراق في واحد يوجب الإعراض والاستغناء عن الآخر .
فظهر أنّ الغناء والاستغناء كيف يعرض على النفس بالأخذ بأحد الطريقين . فالغناء الحاصل في الأوّل هو المطلوب ؛ لمطلوبيّة ما يتولَّد عنه وهو الأفعال . فما دلّ على مطلوبيّة التغنّي بالقرآن وغيره من الأدعية ، بل الأشعار المتضمنة لذكر الجنّة والنار والمشتملة على المعارف الحقّة ، من هذا الباب .
والحاصل من الثاني مبغوض ؛ لمبغوضيّة منشأ انتزاعه ، وهو الاشتغال بالملهيات من الآلات المتعارف عند أهلها ، من الكوبة « 1 » والمِعْزف والقصب « 2 » والمزمار التي تضرب للتشهّي والاستيناس ، ويصدق على الجميع التغنّي كما يصدق على الصوت إذا كان على ما هو المتعارف بين الجُهّال والكبار ،
و
هامش
« 1 » « الكوبة » : « الطبل الصغير المخصّر معرّب » المصباح المنير ، ص 543 ، « كوب » .
« 2 » « القصب » : « كل نبات يكون ساقه أنابيب وكعوبا والفارسي منه صلب غليظ يعمل منه المزامير » . المصباح المنير ، ص 504 ، « قصب » .