الكوفة يوم كان عليه ما أمر به ، فألق مفاتيح بيت المال لما لم يجد من الكتاب والسنة
وهو العليم بهما مساغا لهاتيك الإباحة ولا لأثرة الآمر بها ، وعلم أنها سوف تتبعها
من الأعطيات التي لا يقرها كتاب ولا سنة ، فتسلل عن عمله وتنصل ، وما راقه أن يبوء
بذلك الإثم ، فلهج بما علم ، وأبدى معاذيره في إلقاء المفاتيح ، فغاض تلكم الأحوال
داعية الشهوات ، وشاخص الهوى الوليد بن عقبة ، فكتب في حقه ونم وسعي ، فكان
من ولائد ذلك أن ارتكب من ابن مسعود ما عرفت ، ولم تمنع عن ذلك سوابقه في الاسلام
وفضائله وفواضله وعلمه وهديه وورعه ومعاذيره وحججه ، فضلا على أن يشكر على
ذلك كله ، فأوجب نقمة الصحابة على من نال ذلك منه ، وإنكار مولانا أمير المؤمنين عليه السلام
وصيحة أم المؤمنين في خدرها ، ولم تزل البغضاء محتدمة على هذه وأمثالها حتى كان
في مغبة الأمر ما لم يحمده خليفة الوقت وزبانيته الذين جروا إليه الويلات .
ولو ضرب المسيطر على الأمر صفحا عن الفظاظة في الانتقام ، أو أعار لنصح
صلحاء الأمة أذنا واعية ، أولم يستبدل بجراثيم الفتن عن محنكي الرجال ، أولم ينبذ
كتاب الله وسنة نبيه وراء ظهره ، لما استقبله ما جرى عليه وعلى من اكتنفه من الوأد
والهوان لكنه لم يفعل ففعلوا ، ولمحكمة العدل الإلهي غدا حكمها البات .
ولابن مسعود عند القوم مظلمة أخرى وهي جلده أربعين سوطا في موقف آخر ،
لماذا كان ذلك ؟ لأنه دفن أبا ذر لما حضر موته في حجته . وجد بالربذة في ذلك
الوادي القفر الوعر ميتا كان في الغارب والسنام من العلم والإيمان .
وجد صحابيا عظيما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقربه ويدنيه قد فارق الدنيا .
وجد عالما من علماء المسلمين قد غادرته الحياة .
وجد مثالا للقداسة والتقوى ، فتمثل أمام عينيه تلك الصورة المكبرة التي كان
يشاهدها على العهد النبوي .
وجد شبيه عيسى بن مريم في الأمة المرحومة هديا وسمتا ونسكا وزهدا
وخلقا ، طرده خليفة الوقت عن عاصمة الاسلام .
وجد عزيزا من أعزاء الصحابة على الله ورسوله وعلى المؤمنين قد أودى على
مستوى الهوان في قاعة المنفى مظلوما مضطهدا .
الغدير — صفحة 13
مساهمون: الشيخ عبد الحسين الأميني (العلامة الأميني)
ص١٣